يُهدى هذا التقرير الاستقصائي إلى روح الزميل والصديق الراحل، الدكتور هشام الهاشمي، المؤرخ والباحث المتخصص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، ودراسات الجماعات المتطرفة، والذي اغتيل أمام منزله في منطقة زيونة ببغداد بتاريخ 6 تموز/يوليو 2020، إثر توجيهه انتقادات علنية لميليشيا كتائب حزب الله، المصنفة منظمةً إرهابية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والمدعومة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والناشطة في كل من العراق وسوريا.
وعلى الرغم من اعتراف الجاني بارتكاب جريمته، فقد صدر قرار بتبرئته، في سابقة تعكس عمق الخلل في المنظومة القضائية. ومن هذا الظلم الصارخ، استُلهمت دوافع هذا التحقيق الذي يسبر أغوار شبكة الفساد المتجذّرة في القضاء العراقي.
رحم الله هشام الهاشمي، وعسى أن يكون دمه الطاهر باعثًا على يقظة الضمير، وخطوة نحو استعادة العراق لعدالته، وانتصارًا لقيم النزاهة والحق التي نذر حياته لها.
في يومٍ بغداديٍّ اعتيادي، بلونٍ أصفر باهت، وعلى امتداد الطريق الرئيسي المحصّن المؤدي إلى المنطقة الخضراء، شقّ المكان صراخ أوامر حادّة: ارفعوا الحواجز! تنحّوا جانباً! افسحوا الطريق للموكب القادم!
وبشكل غريزي، ابتعدتُ عن المسار وأنا أتهيّأ لدخول المنطقة لحضور موعد مع أحد كبار رجال السلطة في العراق. اندفع موكبٌ مؤلفٌ من 35 مركبة مصفّحة، مصطفّة على شكل رأس رمح، مخترقاً الطريق ومغلقاً المسارين بالكامل على ما يُعرف بطريق مطار بغداد. ثم انكمش التشكيل ليكوّن طوق حماية محكماً حول المركبة الرئيسية. وعلى جانبي الطريق، كانت الشمس تنعكس على عدسات بنادق القنص، فتُحدث لمعاناً متواصلاً بينما يغيّر القناصة وضعيات أسلحتهم ويمسحون المنطقة بنظراتهم المتوثبة.
ومع اقتراب الموكب، بدأت أجهزة التشويش تعمل، فقطعت الاتصالات تماماً طوال مدة عبوره. وبشكل لا إرادي، وقفتُ منتصباً بينما كانت المركبات—كلها بلوحات متطابقة، وهياكل مصفّحة، ونوافذ معتمة—تنزلق في انسجام دقيق كما لو كانت جسداً واحداً.
بدت بغداد—المدينة التي كانت، على مدى أكثر من ألفٍ ومئتي عام، ملهمةً لأرقّ القصائد وأخلدها—وكأنها تحبس أنفاسها حتى مرّت آخر مركبة في الموكب. وكانت إحدى تلك المركبات، كما لاحظتُ، مزودة بسلاح مضاد للطائرات يطلق عليه العراقيون ساخرين اسم الذيل. وما إن تجاوز الموكب آخر نقطة تفتيش ودخل المنطقة الخضراء، اقتربتُ مرة أخرى من نقطة التفتيش الأولى..
طلب جندي تصاريح دخولنا، فسلمتُها له بصمت. لكن فضولي الصحافي كان أقوى من الصدمة، فسألته لمن يتبع ذلك الموكب المهيب. نظر إليّ بضيق ممزوج بالريبة، دقّق في بطاقة دخولي، ثم قال قبل أن يسمح لي بالمرور: خلّها على الله يا أخوي… هذا ملك العراق.
لاحقاً، سألتُ السائق إن كان يعرف من هو هذا الملك. أجاب بلا تردد: أكيد… السيد فائق. عندها تضاعف فضولي. من يكون فائق هذا؟ وما منصبه؟ وكيف نال هذا اللقب الذي لا يطلق جزافاً؟
ملك العراق
خلال تتبعي وفريق البحث معي لمظاهر نفوذ فائق زيدان وفساده، وجدنا أنفسنا نسجل شهادات مباشرة تصفه بأنه الحارس الأمين لتركة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، قائدي الحرس الثوري الإيراني وقوات الحشد الشعبي العراقية، اللذين قُتلا في يناير 2020 على طريق مطار بغداد في غارة أميركية.
كانا هما من صنعا زيدان، وجعلا منه أميناً على تركة إيران داخل العراق، ومشرفاً على شبكات الفساد، وعرّاباً للابتزاز السياسي والمالي. في مكتبه، كما يقول من عرفوه، ملفات عن كل مسؤول ورجل أعمال بارز في العراق، وناهب ثروات بلاده لصالح "إيران الشقيقة"، كما يحلو له أن يُطلق على هذه الدولة الإسلامية التي تشارك العراق حدوداً رخوة تمتد 994 ميلاً.
أدركتُ إيران منذ زمن بعيد أن التغلغل في القضاء العراقي هو الطريق الأضمن للاستيلاء على الدولة من الداخل. وعلى مدى عقدين من الزمن، هندس سليماني والمهندس صعود زيدان ليصبح سيد النظام القضائي بأكمله في العراق.
بعد تخرّجه من المعهد القضائي عام 1999، عمل فائق زيدان قاضياً في المحاكم المدنية والجزائية في بغداد حتى عام 2005، حين تولّى رئاسة محكمة التحقيق المركزية—المعروفة شعبياً باسم محكمة الإرهاب—والمسؤولة عن مكافحة الإرهاب والجرائم الكبرى. وقد مثّل هذا المنصب، الذي شغله حتى عام 2012، بوابتي نحو النفوذ والسلطة والثروة.
واشتهر زيدان، إلى جانب قاضٍ آخر هو ماجد الأعرجي، بلقب قضاة الإعدامات بعد إصدارهم أحكام إعدام طالت مئات الآلاف من السنّة والشيعة وغيرهم—وغالباً من دون محاكمات أصولية أو أدلة كافية. وبفضل ذلك، كسب ثقة إيران، وسليماني، وأبو مهدي المهندس، الذي وصفه زيدان لاحقاً بأنه الأخ الذي لم تلده أمي. كما قال زيدان عن قاسم سليماني، في مقابلة مع قناة الشرقية، إنه أخ من أم أخرى.
في عام 2012، رُقّي زيدان إلى محكمة التمييز، وهي الجهة المخولة بمراجعة قرارات المحاكم الأدنى ومراقبتها والإشراف عليها، وتمتلك سلطات واسعة على جميع المحاكم الاتحادية والإقليمية. وفي عام 2014 أصبح نائباً لرئيس المحكمة، ثم تولّى رئاستها بعد عامين.
غير أن هذه الصلاحيات الواسعة لم تكن كافية. ففي عام 2017، منحه تعديل قانوني منصبين معاً: رئيس محكمة التمييز ورئيس مجلس القضاء الأعلى. وبذلك، أصبحت السلطة القضائية بأكملها فعلياً تحت يده. وهكذا، وفي غضون خمس سنوات فقط، وبفضل دعم سليماني والمهندس، صعد فائق زيدان إلى أعلى منصب قضائي في العراق—منصب يمكن القول بثقة شبه كاملة إنه وضعه على قمة هرم السلطة في الدولة. ولذا يُعرف على نطاق واسع بـ "ملك العراق".
إن قبضته الحديدية على القضاء تُفرغ الانتخابات العراقية من معناها وتُفرغ العملية الديمقراطية من جوهرها. ففي عهد زيدان، لا يستطيع أي مرشّح خوض الانتخابات ما لم يحصل مسبقاً على موافقة كلٍّ من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والسلطة القضائية. وإذا رأت الجهة القضائية أن المرشّح غير مرغوب فيه لأي سبب—حتى لو لم يستند القرار إلى أي أساس قانوني—تصدر المحكمة حكماً فوريّاً باستبعاده. وعندما يحاول الطعن في القرار، يجد نفسه عالقاً في متاهة إجرائية لا نهاية لها.
وبالمنطق نفسه، إذا عيّن رئيس الوزراء مديراً عاماً لم يلقَ قبولاً لدى القضاء أو الفصائل المدعومة من إيران، يصدر قرار فوري بتعليق مهامه. وحتى إذا فاز محافظ لا يحظى بقبولي في الانتخابات يمكن عزله بحكم قضائي. وفي مجلس النواب، يستطيع النواب التصويت على قرارات اقتصادية أو سياسية أو إدارية، لكن القضاء قادر ببساطة على إصدار أحكام تنسف تلك القرارات من جذورها.
لا يقل أهمية عن ذلك، أن العراق هو بمثابة الرئة المالية التي تتنفس من خلالها إيران رغم العقوبات الأمريكية والدولية، وزيدان هو من يضمن الالتفاف حولها. حتى البنك المركزي لا يستطيع رفض أوامره المتعلقة بتهريب مبالغ مالية ضخمة تمر عبر قنوات وشركات تبدو عراقية شكلاً، لكنها في حقيقتها تابعة لإيران. وقد اعترف مصدر رفيع المستوى في البنك المركزي قائلًا: " صرنا مجرد موظفين بلا قيمة. تصدر إلينا الأوامر من فائق، وإن لم ننفذ، يصلنا فوراً قرار قضائي من قاضٍ صغير يأمرنا بالتنفيذ. لقد وصل الأمر إلى مستوى غير مسبوق ".
واستناداً إلى نموذج تقييم معياري أعدّه فريقي البحثي—يأخذ في الاعتبار متغيرات مثل سعر صرف الدولار، التحويلات الأجنبية، أسعار النفط، وحجم الإيرادات—قدّرتُ أن الأموال المهرّبة من العراق بين عامي 2010 و2024 تراوحت بين: حد أدنى: 100 مليار دولار، وما لا يقل عن 220 مليار دولار، وربما أكثر من ذلك.
هذا الفارق الواسع يعكس تنوّع قنوات التهريب، التي تشمل: التحويلات المصرفية، وتهريب النفط والوقود، وعمليات غسل الأموال، وهروب رؤوس الأموال المتأتية من عوائد النفط.
بنى زعيم المخدرات الكولومبي إمبراطوريته على استراتيجية تشبه بشكل لافت تلك التي يستخدمها فائق زيدان اليوم. بلور إسكوبار عقيدته الشهيرة الفضة أو الرصاص، التي تمنح كل معارض خيارين لا ثالث لهما: إما قبول الرشوة (الفضة) أو مواجهة الموت (الرصاص). كانت تلك العقيدة مزيجاً متقناً من الإغراء والخوف، ووسيلة نافذة للهيمنة والسيطرة.
أما إسكوبار العراق فإنه يستخدم هذه العقيدة للهيمنة في بناء شبكة معقّدة تضم قضاة ومسؤولين وقيادات حكومية وأصحاب نفوذ في دوائر الأمن والسياسة والاقتصاد. وقد سخّر سلطته للتلاعب بالقانون، وانتزاع الطاعة، والولاء، والصمت. حمى الفاسدين، وسحق المعارضين ورجال الأعمال الذين لم يكن أمامهم سوى خيارين: الخضوع… أو الموت البطيء في دهاليز المحاكم، عبر الإفلاس، وتجميد الأصول، والسجن، والنفي.

رجل المخابرات / الجنرال
مصدرنا الأول، وهو ضابط مخابرات يعمل في جهاز أمني حكومي، يلتزم الصمت، ويفضّل العمل في الظل، استقبل زوّاره بهدوء تحت ستار أنه يساعد الصحفيين والأكاديميين المهتمين بتاريخ العراق الحديث. ذلك دوره العلني. أما دوره الحقيقي—كوطني—فهو محاولة كشف أكبر قدر من الحقائق عن الخطر الذي يبتلع المشهدين السياسي والأمني في العراق، وعن هيمنة القضاء عليهما معاً.
كان واضحاً أنه بلغ حداً من السأم والإنهاك من واقع يزداد قتامة كل يوم. ومع ذلك، تحدّث بشجاعة نادرة، وإصرار يليق برجل يعرف أن الصمت لم يعد خياراً.
وبعد تبادل التحية، قال مباشرة دون تمهيد: أنتم تدركون أنه بعد نشر هذا التقرير لن يتمكن أحد من حمايتكم داخل العراق، ولن تدخلوا البلاد مجدداً، وكل من تعرفونهم هنا سينكرون علاقتهم بكم. أتمنى أن تكونوا واعين لذلك مسبقاً.
وحين أكدتُ له بأنني مدركٌ تماماً للعواقب، ابتسم، وطلب من سكرتيره عدم السماح لأي شخص بالدخول، وأطفأ هاتفه، ثم بدأ يتحدث بصراحة كاملة.
قال لي: منذ عام 2003 وأنا أسمع من الأمريكيين أنهم يريدون القضاء على النفوذ الإيراني في العراق، وأن لديهم خططاً واستراتيجيات لتحقيق ذلك. لكنهم ما زالوا ينظرون إلى المشكلة من زاوية واحدة فقط: الميليشيات المسلحة. وهذا أكبر خطأ ارتكبوه خلال 25 عاماً. فالميليشيات لم تعد الخطر الوحيد؛ وقد رأينا كيف انهارت حماس وحزب الله في أيام، تماماً كما انهار المبنى الذي دفن حسن نصر الله خلال الغارة الإسرائيلية في سبتمبر 2024.
ثم واصل قائلاً لي: مشكلة العراق الحقيقية هي الدولة العميقة؛ تلك الشبكة التي نسجتها إيران عبر ذراعها الأبرز، قاسم سليماني، ووكيله الأكثر ولاءً أبو مهدي المهندس، ويجب أن نعترف بأن سليماني والمهندس توصّلا إلى فكرة عبقرية. فبدلاً من الاكتفاء بالرئاسات الثلاث في العراق (رئاسة الوزراء، رئاسة مجلس النواب، رئاسة الجمهورية)، كان لا بد من إضافة رئاسة رابعة تحمل غطاءً شرعياً لا يمكن لأحد الوقوف أمامه: رئاسة القانون والدستور. فالكل يخضع لها ويقبل بها. ولا بد أن تتركز الصلاحيات في يد شخص واحد نثق به ويثق بنا، ونصنعه ليكون الحاكم الفعلي للعراق. شخص لا يستطيع أحد الاعتراض على أحكامه؛ وإن حدث ذلك، سيكون قادراً على قمع أي اعتراض بالنص القانوني، أو من خلال الشبكة الواسعة التي ستحميه عبر المستويات الحكومية والعسكرية والأمنية والتشريعية وكذلك الميليشيات المسلحة.
وقال لي ضاحكاً بمرارة: "يعتقد الأمريكيون أن الشبكة التي بناها سليماني والمهندس على مدى الثلاثين عاماً الماضية قد اختفت عندما قتلوهما. لكن هذه الشبكة لا تزال تسيطر على الحكم والسياسة والاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية في العراق." العلاقات عبر فائق زيدان. ما فعله سليماني والمهندس كان عبقريًا. إذا أراد الأمريكيون تقويض النفوذ الإيراني في العراق ولو بنسبة 70%، فعليهم تحييد فائق زيدان وشبكته الكاملة من القضاة والمسؤولين الأمنيين والشخصيات الحكومية والسياسية والقادة العسكريين ورجال الأعمال. إذا أُريد لهذا البلد أن يُنقذ، فهذا هو واجب المخابرات الوطنية الحقيقية: محاسبة هؤلاء الأفراد ومحاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها.
اتكأ مضيفي إلى الخلف مطلقاً زفرة طويلة أعقبها بضحكة مُرّة: كل هذا والأمريكيون ما زالوا يتساءلون عن سبب تدهور العراق. ثم ضحك بسخرية وأضاف: يظنون أن قاسم سليماني وأبا مهدي المهندس، والشبكة التي نسجاها على مدى ثلاثين عاماً، قد انتهت بمقتلهما في يناير 2020. لكن من ينظر إلى العراق اليوم يرى أن هذه الشبكة تتمدد وتترسخ وتسيطر على مفاصل الحكم والسياسة والاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية. وكل ذلك بفضل رجل واحد: فائق زيدان. أؤكد لك—لقد كان قراراً عبقرياً… عبقرية إجرامية، لكنها تبقى عبقرية.
توقّف لثوانٍ ليجمع أنفاسه، ثم واصل قائلاً لي: هذا الكشف ليس متأخراً، لكنه لن يغيّر المسار الذي نسير إليه. ألا يدرك الأمريكيون أن النفوذ الإيراني أعمق بكثير من مجرد تأسيس ميليشيا أو تسليح أخرى؟ الإيرانيون عملوا طوال سنوات على التغلغل الهادئ في كل وحدة إدارية وأمنية وعسكرية، عبر تعيين الموالين لهم وإقصاء كل من يجرؤ على قول لا.
الإرهابي لا يثق إلا بمن يشبهه
سألني الجنرال بنبرة عابرة: هل رأيت موكبه وأنت قادم إليّ؟ أظن أنك وصلت في التوقيت نفسه. هنا صُعقتُ من الدهشة، وأخبرته أن موكب زيدان الضخم مرّ بالفعل لحظة وصولي.
فأجاب وكأنه يستغرب استغرابي: طبعاً! ولماذا تتعجب؟ كيف لرجل يحكم البلاد فعلياً أن يصل من المطار بموكب عادي؟ هل تعلم أن أقرب دائرة حماية شخصية له—الحلقة الأمنية الأولى—تتألف من عناصر ميليشيا مسلّحة؟ هل تفهم ماذا يعني ذلك؟ هؤلاء مصنَّفون إرهابيين بموجب قانون مكافحة الإرهاب العراقي، ومع ذلك يشكّلون درعه البشري. إرهابيون يحمون إرهابياً يرتدي بدلة يتجاوز ثمنها خمسة أضعاف راتبه الشهري، وأكثر من ضعفي رواتبهم السنوية.
سألته عن تفسير ذلك، فقال: فائق لا يرتدي سوى علامة تجارية محددة. وخيّاطه الإيطالي مقيم في دبي. بدلاته يصل سعر الواحدة منها إلى 20 ألف دولار أميركي، في حين أن راتبه الرسمي من الدولة، بكل مناصبه، لا يتجاوز أربعة آلاف دولار. أخبرني أنت: كيف يمكن تفسير هذا؟
وُلد فائق زيدان—أو فائق زيدان خلف الشيخ فرحان العبّودي—في بغداد في التاسع من مارس 1967. لم يرث ثروة كبيرة، ولم يكن من عائلة تملك ما يؤهله ليصبح أحد أغنى رجال العراق. فهل يمكن لخدمة حكومية تمتد 25 عاماً فقط أن تُحوّل شخصاً عادياً إلى ملياردير؟ بالطبع لا. لكن مضيفي كان يحمل إجابة مختلفة تماماً. قال: نعم، يمكنك أن تصبح مليارديراً… إذا كنت مطيعاً وذكياً وتنفّذ أجندة دولة بحجم إيران، التي كانت حتى قبل 7 أكتوبر تمتلك أدوات الرعب والقوة في الشرق الأوسط، وعمقاً استراتيجياً في العراق الذي ينتج 4.6 مليون برميل نفط يومياً. وتتحكم من خلالها برجال الأعمال، وتأخذ حصتها من كل مشروع استراتيجي، وتتلاعب بالمناصب الحكومية كما تشاء.
ثم ضرب الطاولة بقوة قائلاً لي: نعم! نعم، ألف مرة نعم! وما زالت أمريكا تبحث عن النفوذ الإيراني! اسمعني جيداً: أمريكا لا تريد سماع هذه الحقائق. لا تريد الاعتراف بأنها تعلم تماماً أن 80 نائباً في مجلس النواب العراقي ينتمون إلى ميليشيات إرهابية مسلحة—جماعات لا يحق لها قانوناً خوض الانتخابات. ومع ذلك، يمنحهم زيدان الإذن والشرعية لخدمة الإطار التنسيقي، الذي يتلقى تعليماته مباشرة من إيران عبر الواتساب.
وأضاف قائلاً لي: إلا إذا قرر الرئيس ترامب أن يوجّه فريقه للإصغاء إلى العراقيين أخيراً؛ ربما يقول لهم: تعالوا نسمع ما يقوله العراقيون منذ سنوات، وما الذي يريدونه بالفعل. لقد أرسل إلينا مبعوثاً خاصاً، مارك سافايا، وربما يدلّ ذلك على أنه يريد أن يسمع الآن.
لكن، لا يبدو أن أحداً في الولايات المتحدة كان يستمع حين نشر مايك والتز، في 27 يونيو 2024، في تاريخ يحمل دلالته الخاصة — إذ يوافق اليوم الذي نجا فيه المرشد الإيراني علي خامنئي من محاولة اغتيال عام 1981 — عندما انفجرت قنبلة مخبّأة داخل جهاز تسجيل على المكتب أمامه — وجّه والتز، وكان آنذاك نائباً عن ولاية فلوريدا وحائزاً على أربع ميداليات "النجمة البرونزية" تقديراً لخدمته المميزة في القوات الخاصة عبر جولات قتالية عدة في أفغانستان والشرق الأوسط وأفريقيا، تحذيراً للعالم عبر منصة إكس (تويتر سابقاً) قائلاً: "فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، هو محور مخطط إيران لتحويل العراق إلى دولة تابعة. الخطوة الأولى لتفكيك شبكة نفوذ آية الله هي تحديد هوية الجهات التي تنفّذ أوامره بوضوح".
وردًّا على ذلك، سارعت وزارة الخارجية العراقية وكل القوى السياسية المحسوبة على الميليشيات الموالية لإيران إلى وصف تصريحاته بأنها اعتداء على سيادة العراق وقضائه. وهكذا كشفوا — دون قصد — مركزية زيدان في ميزان القوة الإيراني داخل العراق، حتى لو لم يكن ذلك مُعلناً بشكل مباشر.
لعلّ دونالد ترامب كان أكثر انتباهاً مما بدا.. فقد اختار والتز ليشغل منصب مستشار الأمن القومي مع بدء ولايته الثانية. غير أنّ سوء الطالع — بالنسبة إلى 47.5 مليون عراقي يعلّقون آمالهم على مؤسساتهم الديمقراطية — أن والتز غادر هذا المنصب بعد 101 يوم فقط، لينتقل إلى تولّي مهام السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة. وكان في ذلك خسارة حقيقية، إذ إن والتز كان واحداً من قلّة في واشنطن أدركوا أن رئيس المنظومة القضائية العراقية برمّتها ليس في جوهره سوى وكيل لإيران.
وحين سألتُ الجنرال: لماذا ركّزت إيران على القضاء تحديداً؟
فأجاب: أنتم تدركون أن أمريكا والغرب والدول العربية لا يستطيعون الاعتراض بسهولة على أي مسار قضائي أو إجراء يوصف بأنه ديمقراطي. هم يرون القضاء سلطة مستقلة يجب احترامها، ويرون صناديق الاقتراع تعبيراً عن إرادة شعب كامل. وهذا يعني أن أي انتقاد لقرارات القضاء أو نتائج الانتخابات يضع واشنطن وغيرها في موقف حرج — حتى لو كان النائب المنتخب أو المسؤول الفائز يقود ميليشيا متورطة في جرائم قتل وانتهاكات جسيمة للقانون. وهذا بالضبط ما يحدث.
ثم واصل قائلاً لي: انظر إلى أحكام محكمة الإرهاب. لم تعترض أي دولة غربية عليها رغم أن معظمها كان محاكمات صورية ظلمت آلافاً من السنّة وغيرهم، ثم انظر إلى المادة التاسعة من الدستور العراقي الذي يمنع أي حزب يمتلك جناحاً مسلحاً من خوض الانتخابات. ومع ذلك، تشارك جميع الفصائل المسلحة وتحصد الحصة الأكبر من الكعكة، وتشكل الحكومات، ولا أحد في العالم يجرؤ على الاعتراض.
ثم أنهى حديثه بصوت حازم: بهذه القوة الناعمة، تجاوز الإيرانيون كل الخطوط الحمراء، دون أن تستطيع أمريكا أو غيرها إيقافهم. إنهم يحكمون البلد كاملاً اليوم… عبر القضاء وأحكامه.
سألته كيف يحدث هذا عملياً؟
فقال: لو جاء تدقيق خارجي حقيقي سيجد آلاف الأحكام التي تحرم مواطناً من حق الترشح، أو تفسخ عقداً تجارياً أو استثمارياً، أو تُسقط قرار وزير أو محافظ. هذه الأحكام تُنجز خلال أيام عندما يكون القرار المطلوب يخدم مصالحهم. لكنك، كمواطن عادي، إذا رفعت دعوى لا تخدمهم، فقد تستمر لسنوات طويلة. لهذا بات همّ الجميع اليوم أن يتعرفوا على فائق ورجاله—من الميليشيات أو غيرها—حتى يأمنوا شر القضاء أو يمرّروا أي إجراء حكومي. أليست إيران في هذا المعنى شديدة الدهاء؟
بالنسبة لي، فقد وجدتُ نفسي أستمتع بما يجري؛ فكم مرة تتاح لصحفي أو كاتب أو باحث فرصة الجلوس مع ضابط استخبارات مستعد للحديث بهذه الصراحة؟ ولاغتنام اللحظة، سألته: ما الشيء الآخر الذي تريد أن تفاجئني به؟
ردّ بتواضع: لدي الكثير، لكن هل تضمن أن يُنشر هذا الكلام أو يصل إلى الرأي العام الأميركي أو العربي؟
فأجبته: بالطبع، هذا هو الهدف من المقابلة… ومن مقابلة الآخرين أيضاً.
اقترح أن نأخذ استراحة قصيرة لشرب شاي الهيل. ثم انحنى الجنرال للأمام وسألني: ألم أقل لك إن الإرهابي لا يثق إلا بإرهابي آخر؟
ثم أردف بسؤال آخر: هل تستطيع أن تخبرني من هو قيس الخزعلي؟
قلتُ: "زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق، الجماعة الشيعية العراقية المدعومة من إيران، والتي صنّفتها وزارة الخارجية الأميركية منظمة إرهابية أجنبية في يناير 2020."
ابتسم الجنرال وأكمل: حسناً. لقد بنى زيدان علاقة قوية مع قيس الخزعلي. علاقة تقوم على تنسيق وفهم متبادل، ولا سيما في الملفات الحساسة ذات الأبعاد السياسية والقضائية. هذه العلاقة منحت زيدان قناة نفوذ داخل حركة الخزعلي والإطار التنسيقي، ومنحت الحركة بالمقابل بوابة رئيسية إلى داخل القضاء.
ثم قال بابتسامة ساخرة: فهل يستطيع زيدان أن يحمي العصائب وأمينها من الولايات المتحدة؟
واصل حديثه قائلاً لي: قيس الخزعلي هو الوجه السياسي للحركة، لكن شقيقه ليث الخزعلي هو العقل اللوجستي والتجاري. هو المسؤول عن ملفات النفط والسلاح والمخدرات والأدوية وكل ما قد يخطر ببالك. خلال السنوات الأخيرة وحدها، تم عبر قنواتهم تحويل أكثر من ملياري دولار بين عُمان ودبي. نحن لا نتحدث عن ملايين، بل عن مليارات تغادر العراق تحت حماية قرارات قضائية وبمستندات رسمية. فمن يملك القدرة على إيقاف ذلك؟
استثماراً لارتياحه في الحديث، سألته مباشرة: هل هناك ميليشيات إرهابية أخرى تربطها علاقة بفائق زيدان؟
أجاب بلا تردد: بالطبع! وإليك قصة مختلفة تماماً… وأنا متأكد أن الأمريكيين لا يعرفون عنها شيئاً. فهناك علاقة موازية شديدة الإحكام مع من يسمّون أنفسهم فصائل المقاومة، مثل كتائب حزب الله [ميليشيا مدعومة من إيران وتشكل في الأساس جزءًا من هيئة الحشد الشعبي في العراق] وكتائب الإمام علي [تنظيم عسكري شيعي عراقي]
وتابع قائلاً لي: لدينا تقارير وتسجيلات صوتية تؤكّد وجود قنوات اتصال وتنسيق متواصل بين هاتين المجموعتين. وزيدان تربطه علاقة خاصة ومتينة مع شبل الزيدي، الأمين العام لكتائب الإمام علي. وهي الجماعة التي تعلم جيداً أنها مصنّفة هذا العام كمنظمة إرهابية من قبل الحكومة الأمريكية. كما فُرضت عقوبات على شبل الزيدي نفسه، ووصفتْه واشنطن بأنه يعمل بالنيابة عن فيلق القدس الإيراني، ويسهّل عمليات التمويل والأنشطة المسلحة التي تستهدف المصالح الأمريكية في العراق وسوريا ولبنان.
ثم أضاف لي: مسار التتبّع يقود إلى ارتباط وثيق بين هذه الميليشيات وبين عصابة سرقة القرن، عبر شخصية شاكر الزبيدي، المدير العام السابق للضرائب، الذي يُعدّ العقل المالي المدبّر لتلك السرقة، وواحداً من أكثر الأشخاص تأثيراً على زيدان، إلى جانب ناصر شعبان المقيم في دبي حالياً، وبالطبع نور زهير في مقدمة القائمة.
زيدان وائتلاف دولة القانون
شرح مضيفي أن علاقة فائق زيدان بهذه المجموعات اتخذت طابعاً تبادلياً قائماً على التنسيق الهادئ ونزع التصعيد غير المباشر، خصوصاً في الملفات ذات الحساسية الأمنية أو القضائية. ثم مال إلى الخلف واستطرد قائلاً لي: إذا أردتَ أن تفهم خطورة زيدان على حاضر العراق ومستقبله، فعليك أولاً أن تفهم علاقته بنوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون. فبين زيدان والمالكي علاقة وثيقة وراسخة، تسمح بتقاطع مصالحهما في الملفات الكبرى، سواء تلك المتعلقة بإدارة الدولة أو بصراعات القوى داخل الإطار التنسيقي.
ثم توقّف لثوانٍ قبل أن يضيف بنبرة تأكيدية: وأكاد أجزم أنه بعد مقتل سليماني والمهندس، كان هذا الارتباط واحداً من أهم الأسباب التي مكّنت زيدان من الحفاظ على موقعه داخل هيكل السلطة، رغم موجات التغيير السياسي المتعاقبة. هذه العلاقة بدأت منذ أن كان زيدان قاضياً في محكمة الإرهاب، ثم تعمّقت برعاية أبو مهدي المهندس، الذي شجّع المالكي على الاستفادة من أحكام تلك المحكمة التي كانت تُصدر من دون تحقيقات جدّية، والتي أفضت إلى إعدام عشرات الآلاف—بل مئات الآلاف—من العراقيين. وفي الوقت ذاته، وفّرت تلك المحكمة غطاءً قضائياً يحمي المالكي وزيدان وشبل الزيدي وقيس الخزعلي من تبعات الفساد الذي تورطوا فيه.
ثم أضاف بصوت واقعي حاد: لقد أصبح هؤلاء اليوم من أثرى أثرياء العراق؛ أغنى من كثير من رجال الأعمال والقادة في المنطقة، وربما أغنى من بعض الزعماء الذين يُضرب بهم المثل في الثراء. فلا تعجب.
قال لي الجنرال: أنا مقتنع بأنني أقوم بواجبي تجاه بلدي ومستقبله، ولهذا سأعطيك آخر قصة، لتكمل طريقك مع الوطنيين غيري. فأنا أعلم جيداً أنني لست مصدرك الوحيد.
ثم تابع قائلاً لي: أعرف أنك كانت تربطك علاقة معرفة بـ هشام الهاشمي، الباحث المتخصص في مكافحة الإرهاب، الذي اغتيل في يوليو 2020 أمام منزله، برصاص مجهولين على دراجة نارية. كنت مطّلعاً على مجريات التحقيق عبر مصادري الخاصة—وليس بحكم المنصب—لأن زيدان أغلق كل المنافذ المتعلقة بالملف.
وأضاف لي: في نهاية المطاف، تم كشف هوية القاتل، وصدر أمر بالقبض عليه في عام 2021. القاتل ينتمي إلى كتائب حزب الله العراقي، واسمه أحمد حمداوي الكناني. صدر بحقه حكم بالإعدام في مايو 2023. لكن محكمة التمييز نقضت الحكم في أغسطس 2023… بتوقيع القاضي فائق زيدان نفسه.
رفع الجنرال حاجبيه وهو يتابع: وفي مارس 2024، صدر قرار من محكمة التمييز العليا ببراءته وإطلاق سراحه، أيضاً بتوقيع زيدان، بذريعة عدم كفاية الأدلة.
وتابع: يعني أن كل جهود التحقيقات، وكل المعلومات التي جُمعت، وكل اعترافات القاتل، والحكم القضائي النهائي بالإعدام… كلها تبخّرت أمام النفوذ الإيراني الذي حوّل حكم الإعدام إلى براءة. أخبرني، عن أي مكافحة إرهاب يتحدث الأمريكيون؟ وهل يمكن لمثل هذا أن يحدث في بلد غير العراق؟
قال لي في ختام الجلسة: ما أود أن أنهي به حديثي معك هو أن العراق مختطَف من دولة وظّفت شخصاً واحداً في موقع استراتيجي، فبنى شبكته الخاصة التي أحكمت قبضتها على البلد بأكمله. وهذه الشبكة سيزوّدك بتفاصيلها زميلٌ لي في الاستخبارات العسكرية، متقاعد ويعيش خارج العراق اليوم. تواصل معه… سيعطيك كل ما تريد عن شبكة حارس التركة الإيرانية، الابن السياسي لسليماني والمهندس.
وأثناء مرافقته لي إلى الباب، حرص مساعدوه على البقاء على مسافة لائقة. ولم يقترب إلا بعد أن أشار إلى قائدهم بالتراجع خطوة إلى الخلف، فمال نحوي وهمس في أذني بأن زيدان أقام تمثالاً لأبي مهدي المهندس عند مدخل منزله. ثم أطلق ضحكةً عالية قبل أن يضيف: "وبتوجيهات إيرانية مباشرة، أصدر زيدان في يناير 2021 مذكرة اعتقال بحق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على خلفية اغتيال سليماني والمهندس"
ودّعته على أمل أن ألتقيه مجدداً. إن إعلان زيدان شخصياً عن مذكرة التوقيف المرتبطة بمقتل قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس ينسجم تماماً مع ردّ الفعل الإيراني على اغتيالهما. كما أنه يعزّز حقيقة أن زيدان قد تشكّل سياسياً تحت تأثير هذين الرجلين، وأنه يعمل على تكريس إرثهما.
وفي المحصلة، لا تُعدّ خطواته سوى موقف قانوني رمزي موجّه ضد واشنطن — وهو نوع من الإشارات التي تعزّز رصيد زيدان السياسي في طهران، وترسّخ ثقة المؤسسة الأمنية الإيرانية به، وترفع منسوب مصداقيته داخل «محور» إيران.
المدير التنفيذي / المستثمر إكس
التقيتُ بالمستثمر إكس صباح اليوم التالي في مكتبه وسط بغداد. ما أقنعه بالحديث كان عاملين أساسيين: حصوله على ضمان من وسيط موثوق بأن هويته لن تُكشف أبداً، وكونه هو نفسه كان أحد ضحايا فائق زيدان عبر شريك تجاري مقرّب منه. ورغم أنه لم يكن سوى شريك صامت، إلا أن الخسارة الهائلة—التي بلغت نحو 15 مليون دولار—جعلته جزءاً من الكارثة.
العراقيون يتحدثون بصراحة حين يشعرون بالأمان، وبجدّية حين تكون الحقيقة أثقل من الاحتمال. وبعد ترحيب كريم وإفطار أصرّ على مشاركته، قدّمتُ له ملاحظاتي وأسئلتي المكتوبة. نظر إلى الورقة، ثم قلبها على مكتبه وقال: سأتحدث بطريقتي… وأنتم خذوا ما تريدون واحذفوا ما تريدون. فائق زيدان أذكى من أن يكون مكشوفاً. صحيح أنه يتصنّع الأناقة ويظهر بمظهر الرجل القوي، لكنه أجبن من أن يقف في العلن. البعض يرى هذا ذكاء، لكنني أراه جبناً. سأؤكد لك ذلك بشيء يمكنكم التحقق منه بنفسكم.
زيدان وسرقة القرن
قال لي المستثمر إكس: فائق زيدان تجمعه علاقة قوية بمستثمر ورجل أعمال يُدعى ناصر شعبان، والمهم هنا أن معلوماتي تؤكد أن شعبان يدير الشؤون المالية للقاضي المبجّل فائق زيدان بعيداً عن الأضواء. وهو الشخص الذي كان يذهب إلى عائلات رجال الأعمال الموقوفين، أو تجار المخدرات والسلاح، أو قادة الميليشيات، ليحدّد المبالغ التي يجب دفعها مقابل حفظ القضية أو إغلاقها بذريعة عدم كفاية الأدلة.
وأضاف لي: صحيح أن شعبان كان وسيطاً موثوقاً لدى زيدان… لكن الأمور لا تبقى كما كانت. لقد أخبرني مصدر مقرّب منهما بأن خلافاً حاداً نشب مؤخراً بين الطرفين، بعد اتهامات باستحواذ شعبان على عدد من العقارات التي يُقال إنها مُنحت كرشوة لحارس العدالة الوطنية، في إطار قضية نور زهير المعروفة إعلامياً بـ سرقة القرن، والتي بلغت 2.5 مليار دولار عام 2022.
وقد بحثتُ – أنا وفريقي - في بعض المصادر المقربة من الطرفين، وتبيّن فعلاً أن هناك خلافاً متصاعداً أثاره المدعو شاكر الزبيدي— رئيس مصلحة الضرائب والمقرّب من نور زهير—حين نقل معلومات حساسة إلى فائق زيدان حول تحركات ناصر شعبان واستحواذه على عقارات تفوق بكثير ما أُبلغ به زيدان. هذا التوتر يجري ضمن صراع نفوذ مالي وسياسي لم يُحسم بعد، لكن الواضح أن زيدان سيحسمه لصالحه، فهو قادر دائماً على اللدغ مثل الأفعى. المؤشرات تفيد بأن شعبان بدأ يتحول إلى وسيط وصندوق أسود جديد لصالح رجل أعمال آخر.
ويؤكد لي المستثمر إكس بأن زيدان لن يسمح بحدوث هذا الانتقال بسهولة. فإذا حاول شعبان الخروج من عباءته، فسيجد نفسه أمام كم هائل من القضايا المدفونة في الأدراج، وأبواب قضائية وإدارية موصدة في وجهه.
وعندما تطرق الحديث إلى سرقة القرن، وذكرتُ له إن عدداً كبيراً من المسؤولين العراقيين تورطوا في القضية، وربما لم يكن الرجل يرغب بتقديم جميع هؤلاء للقضاء. لكنه هزّ رأسه قائلاً: لا أتفق معك. لقد استحوذ فائق زيدان على كل المعلومات… مع شخصية سياسية مهمة للغاية.
سألته: من هي؟
فأجاب بلا تردد: رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي. هذا الرجل كانت له يد كبيرة في الملف أيضاً، وزيدان لم يكن يسمح لأي جهة بالحصول على معلومة دقيقة. كان يسرّب فقط ما يخدم مصلحته وأجندته. كثير من الأسماء التي تداولها الإعلام لم تكن لها علاقة بالسرقة، لكنها زُجت عمداً… لتحييدها.
ولرصد الأنماط واستكمال الصورة التي كانت ملامحها قد بدأت بالتشكل، سألتُ المستثمر إكس: هل هناك قضايا مشابهة أشرف عليها زيدان شخصياً؟
ملف الأسرار البني
قال لي: لا توجد قضية كبيرة في العراق لا تمر على مكتب فائق زيدان. خذ مثلاً مجموعة قضايا علي محمد غلام ومصارفه الثلاثة: بنك الشرق الأوسط للاستثمار، المصرف القابض الإسلامي، ومصرف الأنصاري الإسلامي. وزارة الخزانة الأميركية سبق أن أدرجت هذه المصارف على قائمة العقوبات وقيّدت تعاملاتها بالدولار في نهاية عام 2022. ثم عادت الخزانة الأميركية في أكتوبر 2025 وأدرجت علي غلام المعروف بـ "ملك الدولار" في قائمة أوفاك، وأشارت في بيانها إلى أنه أفلت من العدالة في العراق من خلال رشوته للقضاء العراقي.
ثم انحنى للأمام وسألني بسخرية واضحة: برأيكم، من يقصدون بأنه تلقّى الرشوة؟ هل تتصورون أن قاضياً صغيراً هو المقصود؟ هم يعرفون تماماً أين يوجد الملف… عند فائق زيدان.
أخرج المستثمر إكس آنذاك ملفاً بنياً سميكاً متضخماً بطبقات متداخلة من شتى أنواع الوثائق والمستندات، وهو يقول: ليس فقط فائق لديه أوراقه الخاصة… نحن أيضاً لدينا أوراقنا. اقرأ ما تشاء وسجّل ملاحظاتك… لكن دون تصوير.
ومن بين تلك الوثائق، وجدتُ تقارير الاشتباه المرفوعة من البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال— وهو مكتب مستقل—إلى القضاء العراقي. التقارير كشفت بالتفصيل آلية معقدة لشراء الدولار الأميركي وإعادة تدويره داخل منظومة غسيل أموال تُدار عبر بنوك علي غلام، لتمويل الحرس الثوري الإيراني وشبكاته المسلحة.
ويبدو أن ذلك المخطط كان مربحاً إلى درجة مكّنته من شراء قصره الفاخر في لندن مقابل 42 مليون دولار… نقداً. وتابع قائلاً لي: القضية منظورة في محكمة الكرخ لدى القاضي ضياء جعفر منذ قرابة الثلاث سنوات، دون أي إجراء، والسبب واضح: توجيهات فائق زيدان بتجميد الملف.
كانت هناك أيضاً اعتمادات مستندية—لبضائع لم تدخل العراق أصلاً—بقيمة مليار دولار. هذه القضية أيضاً في محكمة الكرخ، أمام القاضي ذاته، وظلت معلّقة لأكثر من عام دون أي تحرك فعلي.
إجمالي المبالغ المتورطة يُقدّر بنحو 321 مليار دينار عراقي (نحو 246 مليون دولار). ومع ذلك، أغلق القضاء العراقي، عبر محكمة التحقيق المركزية في الرصافة، هذه الملفات من دون أي تحقيق… مرة أخرى بناءً على توجيهات فائق زيدان، وهذا أمر تأكدنا منه بشكل قاطع.
وتابع المستثمر إكس قائلاً: وإضافة إلى كل ذلك، هناك قضية شركة بوابة عشتار للدفع الإلكتروني لأنظمة وخدمات الدفع الإلكتروني [بوابة عشتار]، المملوكة لعلي غلام. فقد فرض القضاء العراقي غرامة مذهلة على مصرف الرافدين—أقدم وأكبر مصرف حكومي في العراق—بلغت 600 مليون دولار، بعد قيام المصرف بفسخ عقده مع بوابة عشتار. وقد اعتُبر هذا الحكم على نطاق واسع محاولة للضغط على المصرف لإعادة تفعيل العقد. ولولا الضغط الشعبي والغضب الإعلامي، لما أُغلق هذا الملف مطلقاً.
سألته: لماذا كل هذه الحماية لشخص مثل غلام، وهو متورط في قضايا فساد ضخمة وخاضع لعقوبات أميركية؟
أجاب أيضاً مستنداً إلى وثائق الملف البني: تربط علي غلام علاقة صداقة خفية بفائق زيدان، وتشير المعلومات إلى أنه اشترى عقاراً لزيدان—أو لأحد المحسوبين عليه للتمويه—في لندن. وتعود العلاقة بينهما إلى دوره في تمكين غلام من الاستيلاء على مصرف الشرق الأوسط من عائلة سنية تُدعى بيت الحافظ، أصلهم من الموصل. القضاء ساعد في تمرير عملية الاستحواذ، فيما قامت ميليشيات بمهاجمة المصرف وطرد عائلة الحافظ منه.
زيدان والكاظمي
تشير الوثائق الموجودة في الملف البني إلى أن مصطفى الكاظمي—أو كما يسميه بعض العراقيين الكاذبي—لم يقع يوماً في شباك فائق زيدان؛ لأن الحقيقة هي أنه كان جزءاً من شبكته منذ اللحظة الأولى. كل ما فعله لاحقاً كان محاولة إخفاء العلاقة حتى لا تتضرر صورته أمام العواصم العربية والغربية. وقد منحته رئاسته السابقة لجهاز المخابرات غطاءً قانونياً لكل لقاءاته واتصالاته الحساسة مع زيدان.
تساءل المستثمر إكس: لماذا أنقذ فائق زيدان الكاظمي من التداعيات القانونية لسرقة القرن؟
ثم أجاب بلا أي تردد: لأنهما شريكان أصلاً.
واستشهد باعتراف نور زهير بأنه سلّم الكاظمي وفريقه المقرّب 560 مليون دولار. كما كشف ضابط المخابرات ضياء الموسوي—أحد أقرب المقربين من الكاظمي—تفاصيل عملية السرقة، وكيف جرى الادعاء بأن الأموال نُقلت عبر زوجة الكاظمي الثانية، رولا فاضل (لبنانية الجنسية)، إضافة إلى شراء شقق وفلل سُجّلت بأسمائهم في لبنان. واليوم، كما يؤكد لي المستثمر إكس، يمتلك الكاظمي فيلات في بيروت، وإسطنبول، وعمّان، والعراق، ودبي.
وتزداد المفارقة قتامة حين خرج القاضي ضياء جعفر—التابع تماماً لزيدان—في مقابلة تلفزيونية ليصرّح:
أنا من أطلق سراح نور زهير وفقاً للمعطيات المتوفرة لديّ. الحكومة لا علاقة لها بالأمر. إصدار أوامر القبض والإفراج وحجز الأموال اختصاص قضائي خالص.
قال ذلك رغم وجود أدلة قاطعة ضد زُهير، ورغم اعترافه بأن ضغوطاً مورست عليه لإبقاء نور زهير في واجهة الإعلام بهدف صرف الأنظار عن السياسيين المتورطين.
إجمالي المبالغ المتورطة يُقدّر بنحو 321 مليار دينار عراقي (نحو 246 مليون دولار). ومع ذلك، أغلق القضاء العراقي، عبر محكمة التحقيق المركزية في الرصافة، هذه الملفات من دون أي تحقيق… مرة أخرى بناءً على توجيهات فائق زيدان، وهذا أمر تأكدتُ منه بشكل قاطع.
وباختصار شديد: العراق المنهوب يتيح للناهبين العيش بأمان ورفاه، ما دام هناك شخص مثل فائق زيدان يغلق الملفات خلفهم… ولا يسجّل عليهم سوى العمولة. ويفيد مصدران متطابقان أن نور زهير يتحرك بين تركيا والعراق براحة تامة ويدخل العراق من خلال مطار خاص وتحميه ميليشيا مسلحة لا تسمح للدولة باعتقاله. وهو يدير ثروة تقدر بـ 22 مليار دولار أميركي.
تولّى مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء في مايو 2020 خلفاً لـ عادل عبد المهدي، أحد ركائز الفساد، وأحد المهندسين الأساسيين للهيكل السياسي الذي صاغته إيران داخل العراق. وقد سقط عبد المهدي تحت ضغط احتجاجات تشرين 2019 الدامية، التي قُتل فيها—بحسب منظمة العفو الدولية—نحو 600 متظاهر، وأُصيب 20 ألفاً. ومن أصل 2,700 قضية جنائية رُفعت لمصلحة الضحايا والمصابين، لم يُحَلّ إلى المحاكمة سوى عدد محدود، وأُلغي معظم ما صدر فيها من أحكام لاحقاً.
ورغم كل الدروس، لم يتعلّم الكاظمي شيئاً من أخطاء سلفه. قدّم نفسه باعتباره حامل لواء التغيير الذي نادى به المحتجون، فأمر بالإفراج عن المعتقلين من المتظاهرين، وأعاد عبد الوهاب الساعدي إلى قيادة جهاز مكافحة الإرهاب بعد أن أثار عزله الغضب الشعبي قبيل الاحتجاجات، وتعهد بفتح تحقيقات واسعة لمحاسبة المتورطين في قتل المحتجين وتعويض أسر الضحايا.
لكنّ أي مراجعة دقيقة لفترة حكمه تكشف حقائق مغايرة تماماً:
• معظم قراراته كانت ضبابية وغير حاسمة، واكتفت بالرمزية من دون نتائج ملموسة.
• كان أول رئيس وزراء يوافق على شراء أنظمة صينية لبصمة الصوت، استُخدمت لاحقاً للتجسس على مسؤولين وقادة الحراك السياسي.
• اللجنة التي شكّلها للتحقيق في المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين في نوفمبر 2021 لم تقُد إلى أي محاسبة فعلية، ولم تُستكمل إجراءات العدالة أو تُترجم إلى معايير رادعة.
• ورغم تسجيل ما لا يقل عن 2,700 دعوى جنائية مرتبطة بأحداث الاحتجاجات، لم يمثل أمام القضاء سوى عدد محدود جداً من المتهمين، وأُلغيت معظم الأحكام، ولم تتحقق أي عدالة تُذكر.
كانت لديّ شكوك جدية بشأن ازدواجية الكاظمي. وللتأكد عدتُ إلى الجنرال.
فأجاب قائلاً لي: عندما ظهر الكاظمي في المشهد، مررتُ بانقسام داخلي حقيقي. جزء مني كان يعتقد أن الرجل ربما يكون وطنياً، وأنه سيكشف هذه الشبكة الفاسدة ويُطلع الولايات المتحدة وشركاءنا العرب عليها—خصوصاً أنه يتمتع بعلاقات جيدة مع قادة الدول العربية المعتدلة.
لكن ذلك الشك الصغير الذي حاولت تجاهله… هو الذي انتصر في النهاية. واتضح لي أن الكاظمي كاذب من الطراز الأول؛ متلوّن، متحوّل، ويقول لكل شخص ما يريد سماعه.
ثم تابع قائلاً لي: كان الكاظمي يدرك منذ اللحظة الأولى لتسلّمه جهاز المخابرات—بل قبل ذلك بسنوات—أن فائق زيدان هو وكيل إيران الأوحد، خليفة أبو مهدي المهندس، وأن كل شيء سيؤول إليه عند غياب الأخير، لأنه كان يُهَيّأ لذلك علناً. ولهذا سمح لنفسه بأن يصبح جزءاً من الشبكة نفسها… الشبكة التي وفّرت له الحماية منذ اللحظة التي تولّى فيها رئاسة الوزراء، وخلال فترة حكومته، وحتى يومنا هذا.
وأضاف لي: حاولتُ كثيراً أن أعرف أو أكتشف أي معلومة عن أفعاله داخل العراق، أو عن علاقته بزيدان، أو علاقته بالشركاء العرب. لكن—وبحسب علمي—لم يحدث قطّ أن أبلغ واشنطن أو العواصم العربية بأي شيء يتعلق بتحركات هذه الشبكة، أو بقدرتها على إفساد العراق لحساب إيران. وهذا ما جعلني، ومعي كثيرون، نعتبره شريكاً غير صادق… وشخصاً خطيراً. إلى درجة أننا لم أتفاجأ عندما عرفتُ أن محاولة اغتياله في نوفمبر 2021 كانت مسرحية إيرانية جرى التنسيق فيها معه.
ثم أكمل بنبرة قاطعة: هو يعلم جيداً أن قيمته الحقيقية ليست لدى الأميركيين أو العرب… بل لدى زيدان، وكيل الخط الإيراني. وهل تعلم أن كل تلك الأسماء الكبيرة التي تسمع بها—الزيدي، والخزعلي، والإرهابي المصنف من قبل الولايات المتحدة أبو فدك، وعادل عبد المهدي [رئيس الوزراء العراقي الأسبق]، والحلبوسي [رئيس مجلس النواب السابق]، والكاظمي—مجرد صعاليك ودمى بيد فائق زيدان.
في الواقع، أظهر بحثي مع أبحاث الفريق أن مسألة تجديد تراخيص شركات الاتصالات خلال فترة الكاظمي (7 مايو 2020 حتى 27 أكتوبر 2022) كشفت حجم التدخل الذي مارسته بعض القوى في مسار القرارات القضائية. فقد صدرت أحكام متناقضة: محكمة أقرت بعدم وجود مانع قانوني للتجديد، بينما توصلت أحكام أخرى إلى بطلان إجراءات التجديد بدعوى وجود شبهات في شروط العقد. وبينما تقول مصادر متعددة إن هناك صلة مباشرة بين فائق زيدان—رئيس مجلس القضاء الأعلى—وبين شخصيات نافذة في قطاع الاتصالات، من بينهم محمد الجرجفجي، رئيس مجلس إدارة كل من بنك الائتمان العراقي وشركة زين للاتصالات العراقية، الذي اعتاد استضافة زيدان في منزله خلال زياراته إلى لندن.
وتساءل المستثمر إكس قائلاً: كيف يبني زيدان شبكته؟
فأجبته: ما المسؤول بأعلم من السائل، بينما ملفه البني يفيض بالمعلومات والصور والقرارات الممهورة بتوقيعات زيدان.
لكن المستثمر إكس قاطعني بنفاد صبر قائلاً: سأعطيك مثالاً بسيطاً قبل أن أشرح لك شبكته. يرتبط فائق زيدان—الذي يدّعي العدالة ويتغنى باستقلالية القضاء العراقي—بشخص يُدعى عقيل مفتن، رئيس اللجنة الأولمبية العراقية، الذي أدرجته وزارة الخزانة الأميركية على قائمة عقوبات أوفاك في أكتوبر 2025.
وسط الجدل الذي أثاره إدراج مفتن على قائمة العقوبات، طُرحت أسئلة كثيرة حول طبيعة النفوذ الذي مكّنه من تولّي رئاسة اللجنة الأولمبية العراقية، على الرغم من أنه لا يملك أي خلفية رياضية ذات قيمة.
غير أن المستثمر إكس كشف جوهر المسألة ببساطة لافتة قائلاً لي: فائق زيدان لعب دوراً حاسماً في تثبيت موقع عقيل مفتن. ثم أوضح أن مزرعة مفتن في الجادرية—المنطقة الراقية المطلّة على نهر دجلة—تُستخدم كموقع مغلق لاجتماعات خاصة تجمع زيدان بعدد من القضاة المقربين منه، من بينهم ضياء جعفر وعلي جفات.
ويشير بعض المراقبين إلى أن علاقة زيدان بمفتن تستحق تحقيقاً رسمياً. لكن الحقيقة، كما يصرّ المستثمر إكس، واضحة تماماً: المزرعة توفر السرية والخصوصية والولاء… وكل ما تحتاجه لعقد صفقات آخر الليل. هذا كل ما يجب أن تعرفه. وبينما كان يشرح لي كيف هندس زيدان شبكة نفوذ متغلغلة في مفاصل الدولة، بدا المستثمر إكس أكثر جدية، مستغرقاً في تفاصيل جذبتني إلى عمق واقع معقّد يشكّل ما يُعرف بـ الدولة العميقة في العراق.
ولاحقاً—وبعد بحث مستقل موسّع وتحقق دقيق وجمع متقاطع للوقائع—تبيّن لي ما أكّدته مختلف المصادر المتباعدة مراراً:
لقد نجح فائق زيدان خلال السنوات الماضية في بناء شبكة نفوذ عميقة وواسعة داخل الدوائر القانونية والسياسية والإدارية والأمنية التي تتحكم بمفاصل الدولة العراقية.
فأي ترشيح لمنصب مهم—محافظ، وزير، وكيل وزارة، رئيس هيئة مستقلة، مستشار، أو مدير عام—بات يمرّ عملياً عبر نطاق نفوذ زيدان الواسع.
وقد أفرز هذا الواقع قناعة متزايدة بأن زيدان لم يعد مجرّد قاضٍ نافذ أو رئيساً لمؤسسة قضائية، بل أصبح البوابة الفعلية للدخول إلى الدولة. وهو إدراك عزّز تمدد نفوذه داخل البنية السياسية والإدارية للعراق، إلى الحد الذي بات معه وجوده جزءاً من معادلة الحكم نفسها، لا مجرّد لاعب فيها.
وقد نجح فائق زيدان، وفق هذا النهج، في زرع عدد كبير من الموالين له داخل المناصب الحساسة في الدولة، من بينهم:
• محافظون في محافظات محورية مثل الموصل والبصرة والكوت.
• وزراء ووكلاء وزارات، من أبرزهم وزير الدفاع ثابت العباسي.
• رؤساء هيئات مستقلة، مثل عمر الوائلي رئيس هيئة المنافذ الحدودية، ومستشارون في مؤسسات عليا، من أبرزهم مصطفى غالب مخيف مستشار رئيس الجمهورية ومحافظ البنك المركزي العراقي السابق.
• مديرون عامون في وزارات اقتصادية ومؤسسات أمنية وإدارية.
وقد أنتجت هذه الشبكة، عملياً، هيكلاً موازياً يتيح لزيدان التأثير في القرارات الحكومية من خارج القنوات الرسمية. وهو يمارس هذه اللعبة بدهاء محكم: ينفّذ ما يريد، بينما يبقي حضوره في المجال العام عند الحدّ الأدنى.
القاضي
طلبتُ من المستثمر إكس أن يجمعني بالقاضي الذي كان يشير إليه مراراً، إذ كنتُ بحاجة إلى فهم أعمق لكيفية توظيف القضاة داخل الشبكة التي تحدث عنها. تردد قليلاً، ثم قال إنه سيبلغني بالرد خلال 24 ساعة، وأن اللقاء—إن تم—سيكون في منزله بسرّية تامة.
بعد ثلاثة أيام، وافق القاضي على اللقاء بشرطين صارمين: ألا أعرف هويته مطلقاً ولا أكشف عنها. وألا أذكر طبيعة عمله أو القطاع القضائي الذي ينتمي إليه.
كان القاضي متحمساً بشكل لافت للحديث عن الظلم الذي لحق بالدولة وبقراراتها الأمنية والسياسية والعسكرية، وكذلك بملفات مكافحة الفساد. وبدأ حديثه من سرقة القرن. قال: الجهاز القضائي الخاص بفائق زيدان كان يفرج مراراً عن المتهم الرئيس، نور زهير، لفترات طويلة، بذريعة التسوية الخاصة باسترداد الأموال. وهذا ما رسم صورة ضبابية ومريبة أمام الرأي العام بشأن جدية القضاء في ملاحقة الملف، وفتح الباب أمام الإعلام والمعارضة لربط القضية بصفقات سياسية وضغوط من أطراف نافذة.
وأضاف: في تلك المرحلة، أصبح القضاء جزءاً من آلة التسويات، لا ذراعاً مستقلة. وهذا يخدم مصالح قوى مؤثرة، لبعضها صلة مباشرة بإيران. والدليل موجود في ملفات تهريب الدولار والحوالات السوداء التي لا تمر عبر النظام المصرفي. بل إن عمليات تهريب الدولار إلى الخارج حصلت على فتوى قانونية.
وتابع قائلاً لي: عندما يتم حجب معلومات التحقيق عن الحكومة ومجلس النواب والأجهزة الأمنية، وحصرها فقط بيد مجموعة زيدان، فذلك يعني أن القضاء يروّج لفكرة مفادها أن إثبات القضية مستحيل—رغم حجم الضرر الاقتصادي الهائل—وبالتالي ستُغلق بدعوى عدم كفاية الأدلة. وهذا يعني ببساطة أن إيران تحصل على ما تشاء من الدولارات لتمويل خزينتها، بفضل زيدان وشبكته.
ثم طرح السؤال الأهم: لماذا لا تبادر الدولة العراقية إلى تفعيل التعاون مع وكالات إنفاذ القانون الدولية، خصوصاً الولايات المتحدة؟
وأجاب بنفسه: المتهم نور زهير يتنقّل بين ولاية جورجيا الأميركية ولندن. وإذا تم توقيفه بجدية، فسيكون لدينا الصندوق الأسود لإيران: شبكات تهريب الأموال، المضاربات على العملة، والحوالات السوداء التي تموّل الميليشيات في العراق ولبنان، وحتى حماس وبعض الجماعات المتطرفة في سوريا.
غير أنّ تحريك هذا الملف يتطلب إرادة قضائية عليا… وهذه بيد شخص واحد: فائق زيدان. فهو وحده يملك صلاحية فتح المسار الدولي للملاحقة أو إغلاقه. ولأن مصلحته ومصلحة طهران تقتضيان حماية نور زهير—أو التخلص منه في اللحظة المناسبة—فإنه يفضّل ترك الملف رهينة الزمن والمتغيرات، أو انتظار إشارة مباشرة من طهران.
وختم القاضي قائلاً لي: هذا أمر يدركه أي قاضٍ قريب من الكواليس… المسألة ليست قانوناً، بل شبكة، وزيدان هو عقدتها المركزية.
التفت القاضي نحو المستثمر إكس سائلاً: هل تثق بأن حديثي هذا في أمان على مسمع ضيوفك؟
فأجابه المستثمر إكس بثقة مطمئنة: تحدث ولا تقلق… فهؤلاء سيرحلون عن المشهد عاجلاً أو آجلاً، وما نقوله اليوم هو لصالح العراق غداً.
أطلق القاضي تنهيدة عميقة قبل أن يقول لي: الكارثة في العراق أننا نغرق في بحر من المعلومات والتقارير… لكنها بلا أي قيمة ما دامت شبكة زيدان فاعلة ومتمددة في كل مفاصل الدولة.
ثم لفت انتباهي إلى مقال كتبه فوزي الزبيدي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والأمن القومي، نُشر في منتدى فكرة التابع لمعهد واشنطن في 14 يوليو 2023، وقدّم فيه تحديثاً لتحقيق استقصائي استمر تسعة أشهر أعدّه صحافيا واشنطن بوست لويسا لوفلاك ومصطفى سليم، ونُشر في 21 ديسمبر 2022.
وبحسب التحقيق—الذي اعتمد على أبحاث موسعة ومقابلات مع نحو عشرين موقوفاً—فقد كشف أن اللجنة الرسمية التي شكّلها رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي تحت اسم لجنة أبو رغيف (اللجنة الخاصة بمكافحة الفساد)، تحولت إلى جهاز يمارس الاعتقال الانفرادي، والتعذيب، والخنق بالأكياس البلاستيكية، والعنف الجنسي، لانتزاع اعترافات من كبار المسؤولين ورجال الأعمال… كثير منها كان مكتوباً مسبقاً حتى قبل احتجاز الموقوفين.
وأكد القاضي لي أن هذه اللجنة تحولت عملياً إلى أداة لشرعنة الفساد، ومصادرة ممتلكات رجال الأعمال داخل العراق وخارجه، ونقلها إلى رجال أعمال تابعين لمنظومة زيدان. وللتثبت من ذلك، رجعتُ إلى عدد من القضايا التي نظرت فيها اللجنة، ومن أبرز تلك القضايا قضية بهاء عبد الحسين عبد الهادي، مؤسس ومدير شركة البطاقة الذكية كي كارد، الذي اعتقلته اللجنة في 17 سبتمبر 2020 بتهم تتعلق بالفساد. وقد صدر بحقه حكم بالسجن لمدة سنة وتسعة أشهر.
لكن محاكمته تمت من دون توفير أدنى ضمانات المحاكمة العادلة، رغم توثيق تعرضه للتعذيب أثناء احتجازه السري في سجن الرصافة 2 ببغداد.
وفي الوقت نفسه، جرى اعتقال جمال الكربولي—مالك قناتي البغدادية ودجلة التلفزيونيتين وشقيق سياسي سني يترأس حزب الحل—في عام 2021، بذريعة أن قناته الموسيقية بثّت إساءات لرموز دينية. ولم يُفرج عنه إلا بعد أن دفعت عائلته مبالغ مالية ضخمة للجنة.
وصحّح القاضي لي الرواية الشائعة في وسائل الإعلام التي تزعم أن لجنة أبو رغيف تصرفت بمفردها، مؤكداً أن الحقيقة مختلفة تماماً: كل الإجراءات التي اتخذتها اللجنة كانت تحت إشراف القضاء، وأساليب التحقيق وجمع المعلومات و(الوسائل المعززة) كانت تتم بعلم فائق زيدان شخصياً. والأخطر أن أسماء الأشخاص الذين جرى استهدافهم كانت تصل إلى أبو رغيف من زيدان نفسه، باعتبارهم خارجين عن طوعه أو ممتنعين عن دفع الإتاوات المطلوبة.
انقلاب القضاة داخل المحكمة الاتحادية
واستدل القاضي المتخفي أمامي بأن الخلاف الذي نشب هذا الصيف بين فائق زيدان ورئيس المحكمة الاتحادية السابق جاسم العميري هو مثال حي على طريقة إدارة زيدان للسلطة وتصفية الحسابات. فقد مثّل هذا الخلاف نقطة تحول كبرى في العلاقة بين المؤسستين القضائية والسياسية السنية.
وبحسب روايات سياسية سنيّة متطابقة، بدأ التوتر في يوليو 2025 بعد أن أصدر العميري حكماً بإقالة محمد الحلبوسي من المجلس التشريعي بتهم تتعلق بتزوير وثائق. قرأ زيدان الحكم على أنه ضربة مباشرة لحليف سياسي مقرّب منه—والأهم أنه صدر دون الرجوع إليه أو التنسيق معه—وهو ما أثار غضبه الشديد. ولكن زيدان لم ينسَ هذه الضربة وسمح للحلبوسي بالعودة للساحة السياسية عبر بوابة انتخابات 2025؛ بالرغم من أنه مدان سابقاً. والقانون لا يسمح لشخص أُدين بقضية تزوير أو جناية مخلة بالشرف أن يعود ليمارس عمله السياسي وقد يكون على رأس الرئاسة التشريعية وكأن شيئاً لم يكن. وهذا دليل مضاف إلى قدرة زيدان على التحكم في المسرح السياسي العراقي عبر بوابة القضاء الفاسد الذي يديره كيفما شاء.
زيدان لم يهدأ حتى أُزيح العميري من موقعه، عبر عملية وُصفت إعلامياً بـ انقلاب القضاة داخل المحكمة الاتحادية، التي انتهت بوصول نائب العميري في محكمة التمييز، القاضي منذر إبراهيم حسين—المقرّب والموالي لزيدان—إلى رئاسة المحكمة. ويرى مصدري أنه رغم عدم الاعتراف رسمياً بهذه الأحداث كصراع سياسي، فإنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من السردية السياسية حول طبيعة العلاقة التحالفية بين زيدان والحلبوسي.
كما كشفت مقابلات متعددة أجراها فريقي مع خصوم الحلبوسي أن هناك نقطة إجماع بينهم جميعاً: إن علاقة الحلبوسي بزيدان منحته وزناً قضائياً داخل الساحة السنية لم يكن ليستحقه لولا الحماية القضائية التي وفرها له زيدان.
هذا التحالف أضعف قدرة القيادات السنية الأخرى على المنافسة، وأعاد تشكيل دور القضاء كأداة للضغط أو للحماية داخل المشهد السني. وهكذا، وُضعت الأسس لتحالف سياسي–قضائي مكّن الحلبوسي من تجاوز أزمات كبرى كانت كفيلة بإسقاط أي زعيم آخر.
وبالنسبة للحلبوسي، شكّلت هذه العلاقة دعامة صلبة مكّنته من توسيع نفوذه، واحتواء خصومه في المناطق السنية، وتحجيم منافسيه، في مشهد يعكس عمق تدخل زيدان في المعادلة السياسية العراقية.
وظهرت حادثة أخرى — تحققتُ من تفاصيلها بدقة — تُبيّن إلى أي مدى تغلغل نفوذ فائق زيدان داخل البنية السياسية، حتى بات قادراً على التحكم بالتمثيل السياسي لمكوّن كامل. فقد قرر يونس شغاتي، شقيق رجل الأعمال هيثم شغاتي، وأحد المقربين من الحلبوسي وزيدان، الترشح للبرلمان من دون الرجوع إلى زيدان أو نيل مباركته. فجاء ردّ زيدان سريعاً وحاسماً: إذ أصدر توجيهاً مباشراً إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بعدم المصادقة على ترشحه وشطب اسمه من القوائم.
وبعد أيام، أُجبر شغاتي على الذهاب بنفسه إلى زيدان للاعتذار، ويُقال إنه قبّل يده أمام الحضور. لكن زيدان ردّ عليه ببرود صارم: لن أرضى عنك… ولن أقبل اعتذارك، لأنك ترشحت من دون إذني.
إلا أن مصدري يؤكد أن السبب الحقيقي يتعلق برغبة زيدان في ضمان وصول مرشح كتائب حزب الله سعود الساعدي — المعروف بتطرفه الشديد — إلى مجلس النواب بدلاً من شغاتي.
وأشار القاضي إلى أن هذه الواقعة تُجسّد الخطر الحقيقي في استخدام القضاء كأداة للتحكم في المكوّن السني السياسي — وهو مكوّن يتراوح حجمه بين 13 و16 مليون نسمة (29–34% من السكان) وفقاً لـ CIA World Factbook — لصالح دائرة ضيقة مرتبطة بزيدان، وفي مقدمتهم محمد الحلبوسي.
أثناء المراجعة النهائية للمقال، فوجئتُ بصدور قرار الهيئة القضائية للانتخابات العراقية، في 7 ديسمبر 2025، باستبعاد نجم الجبوري—محافظ نينوى الأسبق—وشطب نتيجته رغم فوزه بـ 39 ألف صوت، بحجة أنه عضو فرقة سابق في حزب البعث.
وأوضحت وثيقة المفوضية أن القرار جاء بعد ما وصفته بـ التدقيق الشامل في الملفات، لكن المفوضية نفسها كانت قد صادقت مسبقاً على ترشحه، واعتبرته غير مشمول بإجراءات المساءلة والعدالة. لكن الحقيقة، كما يؤكد مصدري، مختلفة تماماً: نجم الجبوري شخصية سنيّة تحظى بقبول شعبي واسع في الموصل، وهو ضابط قاتل داعش بشجاعة وبسالة، ولم يخضع لنفوذ الحلبوسي. وهذا وحده كان كافياً ليدفع ملك العراق — فائق زيدان — إلى إقصائه قبل أن يصعد صوت وطني سني قد ينافس الحلبوسي.
وفي حالة أخرى تُعدّ مؤشراً إضافياً على تحكّم زيدان بنتائج الانتخابات وهندستها بما يخدم المصالح الإيرانية، قضت الهيئة القضائية للانتخابات باستبعاد المرشّح جمال الكربولي من العملية الانتخابية، ورفضت الطعن المقدَّم ضد قرار منعه من الترشح للانتخابات البرلمانية لعام 2025، وذلك ببساطة لأن الكربولي يُعدّ مرشّحاً قوياً ومنافساً مباشراً للحلبوسي، الحليف المتماهي مع زيدان.
أصبحت سياسة زيدان تجاه المكوّن السني واضحة وضوح الشمس: إبعاد الشخصيات السنية الوطنية القوية التي تحظى بقبول شعبي حقيقي، ودعم الشخصيات الضعيفة أو الفاسدة التي يسهل التحكم بها وتوجيهها بما يخدم المصالح الإيرانية.
وبعد تدقيق شامل في ظروف الانتخابات العراقية الأخيرة، تبيّن لي أن معظم الكتل الانتخابية كانت تقوم بما يشبه "الحجّ السياسي" إلى مكتب فائق زيدان طلباً لرضاه ومباركته، خشية استبعاد مرشحيها أو شطب أصواتها. وبعض الكتل المرتبطة بالميليشيات المسلحة كانت تستخدم علاقتها بزيدان لتهديد الكتل الأخرى وإخضاعها. لقد أخضع زيدان المرشحين والنواب الفائزين عبر مجموعة جاهزة من الذرائع الواهية مثل حسن السيرة والسلوك، وقانون المساءلة والعدالة. والجميع في العراق يعرف ذلك، لكنه يهمس خلف الأبواب خشية العواقب. وينطبق هذا على المنظومة القضائية بأكملها.
وفي النهاية، يخضع الجميع لـ الملك — كما يصفه كثيرون — بفضل القرارات القضائية المهندسة مسبقاً وفقاً للمصالح الإيرانية، مما يبقي العراق رهينة لنفس مجموعة الأسماء المكرّسة: الخزعلي، الحلبوسي، وغيرهما من الشخصيات التي يدير زيدان مسارها السياسي.
وعليه، يمكن القول إن ملك العراق يسيطر بالكامل على مخرجات العملية الانتخابية من خلال قضاة الهيئة القضائية للانتخابات العراقية، تلك القوة الضاربة التي لا يجرؤ أحد على الاعتراض على قراراتها، لأن الجميع يعلم أنها تصدر بأمر مباشر من فائق زيدان. غير أن جوهر هذه القوة وهدفها الحقيقي يتمثلان في الفساد والابتزاز وحماية المصالح الإيرانية، بما يضمن بقاء العراق أسيراً لطهران وحرسها الثوري.
وقد توصّلتُ وفريق البحث إلى ضرورة إعادة النظر في القرارات القضائية التي فرضتها الدولة العميقة، والتي ينبغي اعتبارها باطلة إلى حين إعادة التقاضي بصورة سليمة.
زيدان والدولة العميقة التي شيّدها خارج نطاق سلطته القضائية
يؤكد لي القاضي الذي وافق على التحدث، أن فائق زيدان عمل على اختيار قضاة مفصليين يشرفون على جهاز المخابرات، جهاز الأمن الوطني، الحشد الشعبي، وهيئة النزاهة، وبذلك ضمن السيطرة على أهم مفاصل الدولة.
فقد عيّن القاضي علي جفات رئيساً لـ المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، وهو واحد من أقوى مفاتيح النفوذ داخل شبكة زيدان. وتشير المعطيات إلى أن صلاحيات جفات كثيراً ما تفوق صلاحيات رئيس جهاز المخابرات نفسه، إذ أصبح المرجعية الأولى لتوجيه التحقيقات، وإدارة الملفات الحساسة، وصياغة التقييمات الأمنية، والتدخل أحياناً في شؤون الكوادر والإجراءات الإدارية.
هذا الاختراق منح زيدان مفتاح السيطرة على أكثر المؤسسات السيادية حساسية.
أما في جهاز الأمن الوطني، فقد عيّن القاضي جبار حسين علوي، الذي أصبح صاحب نفوذ واسع على عمليات الجهاز وقراراته، من الاعتقالات وتقييم الملفات الأمنية، إلى التدخل في قضايا الفساد وإعادة تشكيل التحقيقات بما يخدم دائرة زيدان. وفي الحشد الشعبي، يؤدي القاضي جبار دلي دوراً محورياً، ويُعدّ من أكثر أدوات زيدان تأثيراً.
وتكشف مصادر قانونية—نتحفظ على ذكرها—وجود آلية تواصل غير رسمية تربط هؤلاء القضاة بزيدان عبر مجموعة مغلقة على واتساب. يتم من خلالها تبادل الإشارات حول اتجاهات التحقيقات، إصدار أوامر القبض والإفراج، تمديد التوقيف، تحديد مواعيد الإحالة، وتوجيه مسار الأحكام في القضايا الكبرى، سواء كانت اقتصادية أو أمنية.
ووفقاً للمصادر القضائية ذاتها، فإن نفوذ زيدان لا يقتصر على خلافات رجال الأعمال مع مؤسسات الدولة، بل يمتد ليشمل:
• قضايا مالية كبرى تتعلق بالمصارف، والتهرب الضريبي، والاعتمادات المستندية، والمناقصات الحكومية.
• قضايا أمنية حساسة تشمل النزاعات الداخلية، والمجموعات المسلحة، وشبكات غسل الأموال، والارتباطات الخارجية مع أجهزة استخبارات أو مجموعات مسلحة أو قادة أمنيين في إيران.
• ملفات مشتركة تجمع بين البعدين الأمني والاقتصادي، خصوصاً تلك التي تُستخدم فيها الأدوات القانونية كوسيلة ضغط، أو لإعادة توزيع النفوذ بين أطراف مختلفة.
ويصف لي القاضي المتخفي، بقلق شديد وتلعثم واضح، حالة النزاهة المفقودة داخل قضاء النزاهة؛ مشيراً تحديداً إلى القاضيين ضياء جعفر في محكمة الكرخ وإياد محسن ضمد في محكمة الرصافة. فكلاهما يملك نفوذاً واسعاً داخل هيئة النزاهة الاتحادية، عبر شبكة تمتد إلى عدد كبير من المحققين والموظفين الرئيسيين.
وأشار القاضي لي إلى الخلاف المعروف إعلامياً بين رئيس هيئة النزاهة السابق حيدر حنون—أحد أنزه وأكفأ القضاة الذين تولوا قيادة الهيئة—وبين القاضي ضياء جعفر. وقد انتهى هذا النزاع بإقصاء حنون من منصبه، بعد أن لوّح القضاء بمقاضاته بتهمة التجاوز على السلطة القضائية عقب مؤتمره الصحفي الشهير في سبتمبر 2024. وقد اعتُبرت تلك الحادثة مثالاً صارخاً على قدرة منظومة زيدان على إعادة تشكيل القيادات داخل المؤسسات الرقابية بما يخدم مصالحها.
لماذا سقطت المناطق السنية في يد داعش بسرعة البرق؟
يطرح لي القاضي المتخفي سؤالاً مريراً: لماذا انهارت المحافظات السنية بهذه السرعة أمام تنظيم داعش؟
ويعيدنا ذلك إلى فترة حكم نوري المالكي (ديسمبر 2010 – سبتمبر 2014)، حين أُطلقت يد فائق زيدان، ومعه القاضي ماجد الأعرجي، ضد المكوّن السني. وتشير الوثائق والشهادات التي اطّلعتُ عليها إلى أن القاضيين أصدرا خلال تلك الفترة مئات الألوف من أحكام الإعدامات بحق مواطنين سُنّة، كثير منها صدر من دون محاكمات أصولية أو مراعاة لإجراءات التقاضي، وفي ظل توجيهات أمنية وسياسية واضحة.
وبسبب ما وصفه القاضي بـالطابع الطائفي والعنصري في إدارة هذه الملفات، أرسلت المخابرات العراقية، خلال لحظات سقوط الموصل ومناطق أخرى بيد داعش في عام 2014، برقيات رسمية إلى بغداد تحذر من أن موجة الأحكام القاسية—خصوصاً الإعدامات—دفعت شرائح واسعة في المناطق السنية إلى اعتبار التنظيم ملاذاً انتقامياً من السلطة المركزية، والقضاء الذي رأوه مسيّساً وطائفياً.
إن هذه الشهادات، المدعومة بوثائق رسمية، تكشف جانباً بالغ الخطورة من العلاقة بين القمع القضائي والطبيعة الانتقامية التي غذّت بيئة حاضنة لداعش في تلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق الحديث.
ويحذّرني القاضي المتخفي من أن الحلقة يمكن أن تتكرر في أي لحظة إذا لم تُعالَج جذور المشكلة، مشيراً إلى أن بوادر ذلك بدأت فعلاً تلوح في الأفق. لكنه يضيف أن عودة داعش — إذا حدثت اليوم — لن تكون بالشكل التقليدي الذي عرفناه قبل عشر سنوات؛ بل قد تأتي عبر هجمات كيميائية أو بيولوجية أو حتى نووية تكتيكية محدودة، في أسوأ السيناريوهات وأكثرها خطورة.
وبصفتي ضمن فريق بحث متخصص، توصّلتُ إلى ثلاث خلاصات استثنائية بشأن حجم نفوذ فائق زيدان — خلاصات تتناقض جذرياً مع أي مفهوم لوجود دولة سليمة:
1. التحكم الكامل في التعيينات العليا: إذ أصبح الوصول إلى أي منصب رفيع مرهوناً بموافقة زيدان الشخصية.
2. اختراق عميق للأجهزة الأمنية — الاستخبارات، الأمن الوطني، الحشد الشعبي — عبر قضاة يعيّنهم زيدان، وتمتد سلطتهم لتفوق سلطة رؤساء تلك الأجهزة أنفسهم.
3. الهيمنة على أجهزة مكافحة الفساد من خلال قضاة يختارهم زيدان، قادرين على إعادة توجيه الملفات، وحماية شخصيات محددة، وإسقاط آخرين عند اللزوم.
السيطرة على محافظتي البصرة ونينوى عبر قضاة الاستئناف
وبما أن الحديث يدور حول سيطرة زيدان على مفاصل صنع القرار في الدولة، فمن الضروري الإشارة إلى سيطرته على المحافظات الرئيسية من خلال قضاة الاستئناف، الذين أصبحوا نقاط ارتكاز للتحكم بالإدارة المحلية، والتأثير على المحافظين، وترتيب التوازنات السياسية الحساسة. ورغم أن هذا النمط يشمل محافظات كثيرة، إلا أن البصرة ونينوى تمثلان النموذج الأبرز والأخطر.
فتُعدّ البصرة خزّان العراق الاقتصادي الأول: النفط، الموانئ، الشركات الكبرى، والمنافذ الحيوية. ولهذا كانت السيطرة عليها هدفاً رئيسياً لمنظومة القضاء المرتبطة بزيدان. وقد أصبح قضاة استئناف البصرة — وعلى رأسهم القاضي عادل عبد الرزاق — قادرين عملياً على:
• الدخول في مشاريع اقتصادية معه أو مع رجال أعمال، كما يظهر في العلاقة بين القاضي عبد الرزاق والمحافظ أسعد العيداني.
• التحكم بمديري الدوائر الأساسية: النفط، الموانئ، الجمارك، الكهرباء.
• إحالة الملفات الحساسة للقضاء أو منعها، وفتح قضايا أو تجميدها حسب الحاجة.
• ضبط الإيقاع السياسي المحلي بما يخدم نفوذ زيدان.
غادرتُ الاجتماع مع القاضي وقد كان مشبعاً بالخوف والقلق والتردد. كانت هواجسه معدية؛ وجدتُ نفسي متوتراً بقدر توتره. وكان صادقاً في خوفه — على منصبه، وعلى أسرته.
طلب مني ألا أغادر قبل مرور ثلاثين دقيقة على خروجه… ففعلتُ.
وبقِيتُ كما طلب، أتبادل الحديث مع المستثمر إكس، الذي كان قد بدأ بالفعل بترتيب عشاء لنا في الليلة التالية مع مستثمرين اثنين — أحدهما عراقي، والآخر عربي — وكلاهما وقع في شبكة زيدان، واضطر لدفع حصته قبل الموافقة على مشروعه.
شكرته، وبعد منتصف الليل أقلّني السائق عبر شوارع بغداد الهادئة، بين المقاهي المضيئة، وأكشاك اللحم المشوي، ورائحة الخبز العراقي الطازج. كانت المدينة جميلة… لكنها أيضاً أسيرة شبكة إجرامية يديرها إسكوبار العراق مرتدياً عباءة القضاء بدلاً من حذاء إسكوبار الريبوك الأبيض.
المستثمر العربي والمستثمر العراقي
أخذني السائق إلى قرية دجلة، منطقة مكتظة بالمطاعم الراقية والمتاجر العالمية الفاخرة. وقد شُيّد هذا المجمع خلال حكومة محمد شياع السوداني التي تعمل بصيغة تصريف الأعمال منذ أكتوبر 2022.
حين وصلتُ إلى المطعم، غمرني شعور صامت بالطمأنينة الهادئة؛ ففي بغداد ما زالت الحياة تنبض بتنوعها، مهما اشتدت قبضة الظلام. استقبلني المستثمر (إكس) وضيفاه، وما إن جلستُ حتى انطلق حديث ساخن وصريح لا يحتمل الالتباس.
قال المستثمر العربي: لو كنت أعلم أن هذا الشيطان—يقصد زيدان—يمتلك كل هذه القوة، لما جئت إلى هنا ولا اقتربت من العراق. تخيّل أنني كنت بصدد ضخ نصف ثروتي في بغداد… لكن الله أنقذني في اللحظة الأخيرة. نعم، خسرتُ ودفعنا (الإتاوة) الثقيلة بمفاهيمنا العربية، لرجل أقلّ ما يُقال عنه إنه لص يرتدي روب قاضٍ.
فردّ عليه المستثمر العراقي، شريكه: يا رجل… دفعنا الإتاوة كي يسافر إلى لندن، ويعيش عدة أيام، ويوسّع قصره. وأضاف بمرارة واضحة: احمد الله أننا دفعنا من أموالنا فقط؛ فهناك من دفعوا من أعمارهم في السجون لأنهم رفضوا… وهناك من قُتل. وربما تجد القاتل يجلس بجوارك في هذا المطعم، بينما آخرون لم يقترفوا ذنباً ويقبعون في السجن بتهمة (أربعة إرهاب) —وهي مادة في قانون مكافحة الإرهاب العراقي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
مهندس البترول
وفي هذا السياق، من المهم توثيق شهادة مهندس نفط أميركي من أصول عراقية، عمل في العراق والبصرة لأكثر من عشر سنوات في قطاع الطاقة وتخطيط إنشاء أنابيب النفط. أنا أمتنع عن ذكر اسمه لأن المعلومات التي قدّمها ضمن نطاق معلومات غير قابلة للإفصاح.
قال لي: عندما جاء الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى عام 2018، وفرض عقوبات صارمة على النفط الإيراني، أُرسلت الأوامر إلى مديري شركات النفط والعاملين في القطاع لمساعدة إيران عبر تمرير النفط الإيراني إلى الأسواق بشهادات منشأ عراقية.
ويتابع قائلاً لي: الحقيقة أن النفط الذي كان يغادر العراق في تلك الفترة كان 80% منه نفطاً إيرانياً ممزوجاً بـ 20% نفطاً عراقياً.
وأضاف لي أن الحكومة العراقية كانت تعلم أن هذه العملية يمكن كشفها دولياً بسهولة، لكن عندما أُبلغت شبكة زيدان بالأمر، قال لهم القاضي—بحسب ما نُقل عنه: لا تقلقوا… سنجد له ثغرة قانونية ودستورية تحت بند تسديد ديون إيران على العراق.
وهكذا، يُعدّ فائق زيدان أحد مهندسي تهريب النفط الإيراني إلى العالم. وهو أيضاً شريك رئيسي في تهريب الدولارات إلى إيران لضمان قدرتها على تلبية احتياجاتها المالية قدر الإمكان. وقد ظهر هذا بوضوح في ملف سرقة القرن وطريقة التعامل مع نور زهير، المتهم الرئيسي في القضية ومدير مكتب مصطفى الكاظمي.
لكن… كيف يحدث كل ذلك تحت غطاء قانوني؟
تشير المصادر المتطابقة إلى أن وزارة النقل العراقية تقوم بتأجير بعض الموانئ البحرية إلى ميليشيات مسلحة، بموافقة المحافظ المعني، وبدعم من قضاة الاستئناف في تلك المحافظات—وجميعهم ضمن دائرة التعيينات التي يباركها فائق زيدان. ضمن هذا النظام، يُخلط النفط الإيراني بالنفط العراقي أو بمواد أخرى، ثم يُعاد تصديره بوثائق عراقية رسمية، ومن خلال مسارات تبدو قانونية بالكامل، استناداً إلى موافقات حكومية تمر عبر المحافظات والوزارات والتواقيع القضائية المطلوبة.
ونتيجة ذلك، أصبح محافظو البصرة—وفي مقدمتهم المحافظ الحالي أسعد العيداني—مضطرين إلى التنسيق المستمر مع قضاة الاستئناف الموالين لزيدان لضمان الاستقرار السياسي والقانوني للمحافظة، وتأمين شبكات المصالح المتبادلة.
أما نينوى فهي تمثّل المحافظة الأكثر تعقيداً بسبب تعدد مكوناتها وتداخل النفوذ المحلي والدولي فيها. فبعد عام 2017، نجحت شبكة زيدان في بناء نفوذ قوي داخل محكمة استئناف نينوى عبر القاضي رائد حميد المصلح، ما منح القضاة هناك قدرة واسعة على التأثير في المحافظ ودوائر المحافظة الحيوية، خصوصاً في: ملفات الإعمار، والعقود الحكومية، وقضايا الأراضي، وملفات عودة النازحين، والقضايا الأمنية الحساسة.
هذا النفوذ جعل المحافظين المتعاقبين يشعرون بأن استمراريتهم في مناصبهم مرهونة بالإيقاع القضائي الذي تحدده محكمة الاستئناف، خصوصاً في الملفات ذات الطابع السياسي أو الأمني أو الاقتصادي.
والنموذج ذاته يتكرر—بدرجات متفاوتة—في محافظات النجف، الأنبار، صلاح الدين، والكوت. وبذلك، تحوّل قضاة الاستئناف إلى محافظين ظلّ يديرون التوازنات من خلف الكواليس، بينما يرتبطون مباشرة بمنظومة النفوذ المركزية التي يقودها زيدان في بغداد.
ولتأكيد أقواله، طلبتُ من القاضي تقديم مثال ملموس يبيّن قدرة زيدان على التحكم بالقضايا والمحافظات. فقال: نعم، هناك قضية شهيرة تتعلق بزوجة محافظ البصرة أسعد العيداني، المدعوة هديل عبد سالم.
وأضاف لي القاضي أن علاقة العيداني الوثيقة بزيدان، كما ورد سابقاً، وأن زوجته كانت تعمل مديرة لفرع مصرف العطاء الإسلامي للاستثمار والتمويل (BLAD)، المملوك لـ أراس حبيب، الذي وُضع على قائمة العقوبات الأميركية بتهمة تمويل حزب الله عبر المصرف.
وأوضح القاضي أن القضية بسيطة في جوهرها: إذ أقام المصرف دعوى قضائية ضد المدعوة هديل عبد سالم لقيامها بإصدار 3,000 خطاب ضمان من دون علم إدارة المصرف، ومن دون الحصول على الموافقات الرسمية، إضافة إلى عدم إدخال العمولات الخاصة عبر النظام المالي. وقد بلغت القيمة الإجمالية لتلك العمولات نحو 120 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل تقريباً 91.6 مليون دولار. وبناءً على ذلك، طلب القضاء في البصرة تشكيل لجنة تحقيقية مشتركة بين ديوان الرقابة المالية الاتحادي والبنك المركزي لرفع تقرير مفصل إلى القضاء العراقي. لكن—وبسبب علاقة فائق زيدان الوثيقة بمحافظ البصرة أسعد العيداني—عاد القضاء وأصدر قراراً بإلغاء اللجنة بعد عشرة أيام فقط من تشكيلها.
والسبب الحقيقي لهذا الإلغاء، كما يؤكد لي القاضي، هو خشية القضاء من احترافية اللجنة المكوّنة من أهم جهتين رقابيتين في العراق: ديوان الرقابة المالية والبنك المركزي. فنتائج التحقيق كانت ستأتي حاسمة ومحرجة.
وقد وجدتُ أن جزءاً كبيراً من وثائق القضية منشور في الإعلام، كما تابع مجلس النواب مجريات الملف، وجميع الوثائق الرسمية محفوظة لدى البنك المركزي العراقي.
علاوة على ذلك، قدّرت لجنة النزاهة النيابية في مارس 2021 أن الأموال العراقية التي جرى تهريبها منذ 2003 وحتى اليوم بلغت نحو: 350 مليار دولار، أي ما يعادل 32% من إجمالي إيرادات العراق خلال 17 عاماً.
وفي المقابل، يُقدَّر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 بنحو 6,030 دولاراً سنوياً فقط، ما يضع العراق في المرتبة 107 عالمياً والثامنة عربياً. هل كان هذا هو مشروع التحرير والديمقراطية الموعودة؟
تجارة الأعمال مع زيدان
اليوم، وبفعل نفوذ فائق زيدان، يُعامل المستثمر في العراق كما لو كان موظفاً حكومياً يتوسّل الحصول على منصب. فالمستثمر الحكيم يبدأ أولاً بزيارة مكتبه ليُعلن الولاء، ويحصل على البركة، ويتفاوض مسبقاً على حصة زيدان من المشروع.
أما إذا رفض، فقد يُسمح له ببدء المشروع في الظاهر—لكن سرعان ما يُفتح عليه سيل من الشكاوى القضائية، والعراقيل البيروقراطية، وتجميد الأصول، والدعاوى المتتابعة من كل اتجاه، ليجد نفسه في النهاية مضطراً للتخلي عن استثماره، والهرب حفاظاً على سلامته العقلية والجسدية.
وتشير المؤشرات المتداولة في الأوساط الاقتصادية والقضائية إلى أن العلاقة بين زيدان ورجال الأعمال اكتسبت خلال السنوات الأخيرة طابعاً شخصياً وثيقاً، وأصبحت جزءاً عضوياً من البيئة التي تُدار عبرها المصالح الاقتصادية الكبرى في العراق.
بالنسبة لزيدان، العلاقة الشخصية هي كل شيء. إن رضي عنك—ولن يحدث ذلك حتى تُظهر أنت ولاءك أولاً—قد تصبح جزءاً من دائرته الضيقة. عندها تمتلئ يومياتي بلقاءات خاصة واجتماعات مغلقة ومناسبات محصورة تفتح أمامي أبواباً واسعة، وربما حسابات أكبر؛ رغم أن القواعد المهنية والأخلاقية للقضاء تمنع منعاً باتاً اختلاط القاضي اجتماعياً مع أي طرف له صلة بملفات تُعرض على المحاكم.
وبفعل هذا الواقع، ظهر توجه واضح بين كبار رجال الأعمال العراقيين، خصوصاً أولئك المنخرطين في المشاريع الضخمة أو العاملين في المحافظات ذات الثقل الاقتصادي. يقوم هذا التوجه على بناء علاقة شخصية مع زيدان باعتبارها:
• وسيلة لحماية مصالحهم،
• ضمانة ضد أي إجراء قضائي مفاجئ،
• وسيلة لفتح المجال أمام مشاريع البنى التحتية والعقود الحكومية،
• أداة لمنع تدخل السلطة التنفيذية في نشاطهم.
وبغضّ النظر عن تهديدات الميليشيات أو استهداف الخصوم، فإن درع زيدان القضائي يوفر الأمان لمن يندمجون في دائرته أو يدفعون الإتاوة المطلوبة.
ويبدو هذا الاتجاه واضحاً بين رجال الأعمال الشيعة ذوي الثقل في السوق المحلية، إذ يُقال على نطاق واسع إن معظمهم بنى بالفعل هذه العلاقة ودفع ما يُطلب—سواء عبر هدايا أو مكرمات أو تبادلات منفعة.
لقد أصبح هذا الواقع شبه مُعلن في الأوساط التجارية والاستثمارية، وحتى داخل الشبكات الإجرامية. وتكرّست قناعة تقول إن أي مشروع كبير في القطاع الخاص لا يمكن أن يعمل بأمان دون صلة مباشرة برأس الهرم القضائي؛ وإن كبار المجرمين والمطلوبين للقضاء يحظون فعلياً بـ إجازة مفتوحة من الملاحقة، محميين من أي مساءلة بفضل علاقتهم بزيدان وما يدفعونه له.
صورة زيدان في الصحافة الأجنبية
لم أكن وحدي من حاول الكتابة عن النفوذ المتصاعد والمشبوه لفائق زيدان، لكنني كنتُ أول من تناول هذا الملف بهذا القدر من الشهادات المباشرة، وبالأسماء، وبالوقائع الموثقة لا بالتلميح.
فقد تناولت عدة تقارير دولية تأثير زيدان المريب، وإن لم تواجهه بالصراحة نفسها.
فعلى سبيل المثال، نشرت كلية لندن للاقتصاد دراسة أكاديمية بعنوان: التحولات في المشهد القضائي العراقي في فبراير 2025. تبحث الدراسة في التحولات البنيوية داخل المنظومة القضائية العراقية، وقدّمت سياقاً منهجياً يوضح كيف تمكن أفراد ومؤسسات محددة من تراكم نفوذ غير متناسب داخل الجهاز القضائي.
ورغم تأكيد الباحثين أن الورقة ليست اتهاماً شخصياً لأحد، فإنها تشير بوضوح إلى تورط فائق زيدان في شبكات مسيّسة للفساد وأحكام «الدفع مقابل الدفع».
كما سمعتُ انتقادات واضحة من أصوات كردية داخل العراق وخارجه، ترى أن ممارسات مجلس القضاء الأعلى أسهمت في تعزيز النزعة المركزية وتقليص صلاحيات إقليم كردستان وبقية المكوّنات. وقد طُرحت هذه المخاوف — بشكل غير رسمي — على هامش منتدى السلام والأمن في الشرق الأوسط الذي استضافته الجامعة الأمريكية في كردستان/دهوك، بحضور خبراء دوليين وصنّاع سياسات وأكاديميين.
وفي سياق متصل، نشر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى سلسلة تحليلات أمنية تناولت ردود أفعال الجماعات المسلحة والقوى السياسية تجاه القرارات القضائية، موضحةً كيف تدافع بعض الميليشيات عن المؤسسات القضائية أو تهاجمها سياسياً، بما يعكس حساسية الجهاز القضائي في العراق وطبيعة الصراع حوله.
كما أصدر مركز الأبحاث البريطاني تشاتام هاوس ورقة سياسات موسعة بعنوان: معالجة مسألة عدم خضوع الدولة في العراق للمساءلة — نهجٌ ترابطي لحشد الإصلاحات (ديسمبر 2023، مع تحديث في مايو 2024). وتؤكد الورقة أن القضاء أصبح شديد المركزية تحت قيادة فائق زيدان، وأنه يسيطر مباشرة على التعيينات وآليات المساءلة داخل الجهاز القضائي، الأمر الذي حوّله فعلياً إلى فاعل سياسي لا مجرد قاضٍ إداري.
وفي أبريل 2025، وُجِّهت رسالة مفتوحة إلى الرئيس ترامب، حظيت بتغطية واسعة، وقّعها خبراء قانونيون ومحامون دوليون، ربطوا فيها التغييرات الإدارية في السلطة القضائية — بما في ذلك إقصاء قيادات مستقلة — بعملية إعادة تركيز للسلطة القضائية تحت قيادة زيدان. ووصف روبرت أمستردام، الشريك المؤسس لمكتب Amsterdam & Partners في واشنطن ولندن، ما يجري بأنه انقلاب قضائي، مؤكداً أن مستقبل العراق لا يمكن أن يُبنى في غياب سيادة القانون.
المقابلة مع ملك العراق
يقع مجلس القضاء الأعلى — مقر مكتب من يُسمي نفسه حارس العدالة في العراق — في حيّ الحارثية الجميل وسط بغداد. وفي الطريق إليه، أشعر أنني أقترب من قصر رئاسي؛ فقد أصبح الشارع المؤدي إلى المجلس من أفخم شوارع العاصمة. أما منزل فائق زيدان نفسه، فهو لا يبعد سوى خمس دقائق عن مبنى المجلس. المبنى الذي يرأسه زيدان يُعامل كأنه مجمّع أمني شديد التحصين:
لا أحد يدخل دون موعد مسبق، وحتى إن توفر الموعد، يرافقني حارس من البوابة إلى المصعد، ثم يسلّمني إلى آخر يقودني عبر الممر المؤدي إلى مكتبه، حيث تقع غرفة السكرتارية.
إذا اعتُبرتَ شخصاً مهماً، فإنه ينهض لاستقبالك. وإن لم تكن كذلك، يبقى جالساً. أما أنا، فقد بقي جالساً أمامي. فماذا يدفع «ملك العراق» إلى الوقوف احتراماً لكتّاب مهتمين بـ«توثيق تاريخ القضاء»؟
ولأجل حماية الذين ساعدوني، لن أذكر تاريخ اللقاء ولا من رتّبه، ولا أي تفصيل يمكن أن يكشف هويتهم.
كان مكتبه فخماً، يلفت النظر فيه حسّ أناقة مبالغ فيه لا يعكس شخصيته الحقيقية. لم أشعر لحظة أنه اختار قطعة واحدة من أثاثه أو ديكوراته. على الجدارين لوحتان تمثلان التراث العراقي، ويتساءل المرء عمّا إذا كان يملك أي معرفة بتاريخها أو اهتماماً به من الأساس.
يعاني فائق زيدان، في الحقيقة، من حالة نفسية تُعرف بـ الأنا العليا المتضخمة (Superego)، التي تولّد غروراً فاحشاً وإحساساً مبالغاً فيه بالأهمية. وقد بدا لي سطحياً، يفتقر إلى العمق عندما يُواجَه بأسئلة تتطلّب تفكيراً نقدياً أو مركّباً. وداخل الأوساط القانونية، لا يُنظر إليه بوصفه عقلاً قانونياً استثنائياً.
وعند سؤالي عن العلاقة بين الرئاسات الثلاث واستقلالية القضاء، تغيّر فجأة إلى شخصية هجومية اندفاعية، وقال بلا وعي: لا أحد في العراق يستطيع أن يحرك حجراً دون الرجوع لي.
اغتنمتُ اللحظة وسألته: لماذا؟ ما السلطة التي تمتلكها؟
فأجاب من دون تردد: كلهم مجرد دمى لا يملكون قرارهم. لأنهم فاسدون، ويدركون أنني قادر على حرق أي شخص خلال ساعات… أو سجنه… أو منعه من السفر.
سألته: وهل هذا لمصلحة العراق؟
وبعد أن هدأ واستوعب انفعاله، استدرك قائلاً: نعم… كل ذلك لمصلحة البلد وأهله.
ثم انتقل بسرعة إلى ورقة مُعدّة مسبقاً يتحدث فيها عن تطور القضاء واستقلاليته، لينهي المقابلة بعد ذلك بوقت قصير.
فاجأته قبل المغادرة بسؤال عن اغتيال المواطن الأمريكي ستيفن ترول في 7 نوفمبر 2022 في بغداد—جريمة صنفتها الحكومة الأمريكية بوضوح كـ عمل إرهابي. ستيفن لم يكن منخرطاً في أي نشاط استخباراتي، لكن طريقة التنفيذ—احترافية للغاية، وفي منطقة محصنة أمنياً—تؤكد أن العملية لم تكن عشوائية.
ورغم حساسية القضية، لم يحرز التحقيق الحكومي أي تقدم، ما عزز الاعتقاد بأن أطرافاً داخل الدولة أو حلفاءها وفّروا غطاءً سياسياً وأمنياً للمنفذين. وبعد يومين من الاغتيال، أعلنت جماعة تطلق على نفسها أصحاب الكهف مسؤوليتها عن العملية.
اضطررتُ للعودة إلى الجنرال للحصول على تفسير. فأكد لي أن فائق زيدان تعامل مع القضية بطريقة مريبة للغاية، إذ حوّلها من جريمة إرهاب دولي مرتبطة بميليشيات مسلحة إلى قضية جنائية عادية. وتم ذلك — كما أوضح — بتعليمات إيرانية مباشرة. فالشخص الذي خطط لاغتيال ستيفن ترول انتقاماً لمقتل قاسم سليماني في 2020 كان، وفق المعلومات المتاحة، ضابطاً برتبة نقيب في الحرس الثوري الإيراني، وكانت طهران تخشى أن يؤدي توصيف الجريمة كعمل إرهابي دولي إلى فتح الباب لمطالبات أميركية رسمية بتسليمه بموجب الاتفاقيات القضائية الدولية. لذلك جاء توجيه طهران واضحاً: إغلاق المسار الدولي… وإغراق القضية في التعقيدات الجنائية المحلية.
العراق: بؤرة الحرب الباردة في الشرق الأوسط
قبل مغادرتي بغداد، دعاني الجنرال إلى الغداء. رويتُ له تقريباً كل ما جرى معي—من دون ذكر الأسماء—مشاركاً إيّاه التفاصيل والشهادات والاستنتاجات التي توصلتُ إليها. فأكّد لي صحتها واحدةً تلو الأخرى.
وقال بنبرة واثقة: خلال أسبوع واحد فقط استطعتَ أن تجمع هذا الكم من المعلومات الموثقة وهذه الشهادات المباشرة، وأن تصل إلى نتيجة مفادها أن لإيران وكيلاً واحداً يسيطر على الدولة ويشل عملياً الرئاسات الثلاث: رئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب. وتريدني أن أصدق أن الولايات المتحدة لا تعرف ذلك؟
ثم أردف: إما أنهم يعرفون ويتركونه، ويتعاملون معه كقناة أمنية ينسقون من خلالها…
وتوقف فجأة، وصمت قليلاً، ثم قال بصوت خافت وكأنه يناجي نفسه: لا يمكن أن يكونوا ينسّقون مع شخص مثل زيدان. ربما يريدون ببساطة أن يبقى العراق كما هو، بلا تغيير. زيدان جزء من الصورة الكبرى التي تُبقي البلد متجمداً. لكنني متفائل بالرئيس ترامب وقدرته على إعادة تشكيل المشهد. كنتُ سأعرّفك على شخصية كردية مهمة، لكنه مراوغ… لن تحصل منه على شيء مفيد.
وفيما كانت الطائرة تقلع بي مغادراً العراق، بدأتُ بمراجعة الملاحظات التي جمعتها. وبحلول لحظة الهبوط، كانت قناعتي قد استقرت تماماً:
العراق أصبح بؤرة الحرب الباردة الثانية في الشرق الأوسط المشتعل.
لقد حوّلت إيران وأذرعها الإقليمية أرض العراق إلى قنبلة موقوتة. وليس مبالغة القول إن الدولة التي هندسها فائق زيدان لنفسه ولشبكته—تحت غطاء قانوني ودستوري—أصبحت وستظل واحدة من أصعب الأنظمة على التغيير أو الالتفاف. ومع ذلك… لا يزال هناك بصيص أمل.
وقد لفت انتباهي أن المبعوث الأميركي الخاص، مارك سافايا، نشر تعليقاً لافتاً على حسابه في منصة إكس، قال فيه: العالم ينظر اليوم إلى العراق كدولة قادرة على لعب دور أكبر وأكثر تأثيراً في المنطقة، شريطة حلّ قضية السلاح خارج سلطة الدولة بشكل كامل وحماية هيبة المؤسسات الرسمية. لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو، ولا لأي شراكة دولية أن تنجح، في بيئة تتشابك فيها السياسة مع السلطة غير الرسمية. لدى العراق الآن فرصة تاريخية لطيّ هذا الملف وتعزيز صورته كدولة قائمة على سيادة القانون، لا على سلطة السلاح.
وأضاف: ومن المهم بالقدر نفسه ترسيخ مبدأ فصل السلطات، واحترام الأطر الدستورية، ومنع التدخلات التي تعطل عملية صنع القرار السياسي أو تضعف استقلال الدولة. تُبنى الدول القوية عندما تعمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ضمن حدودها المحددة، وتُحاسَب عبر آليات قانونية واضحة، لا عبر مراكز النفوذ والضغط.
وختم محذّراً: يقف العراق عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتجه نحو مؤسسات مستقلة قادرة على إنفاذ القانون وجذب الاستثمارات، أو يعود إلى دوامة التعقيد التي أثقلت كاهل الجميع.
الرسائل الختامية
ما إن أرفع الغطاء عن هذه المنظومة، حتى تبدأ البنية الإيرانية داخل العراق بالتفكك. قد لا يحدث ذلك بالسهولة أو بالسرعة التي قد يتمناها البعض، لكنه سيكون كافياً لفتح مسارٍ إلى الأمام.
قد يبدو هذا التفاؤل مفرطاً، لكن لماذا لا يمكن توظيف هذه الرواية لتقويض النفوذ الإيراني في العراق، كما جرى إضعافه في لبنان وسوريا — ولكن من دون إطلاق رصاصة واحدة؟
وإلى الشعب العراقي: أنتم لستم وحدكم. هذا الجهد الاستقصائي يمكن — إذا توافرت الإرادة — أن يتحول إلى نواة مشروع يستعيد الدولة من قبضة الفساد.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمتلكون، ومعكم الدول العربية والغربية التي تعلن حرصها على بغداد، الشجاعة لتفكيك شبكة فائق زيدان وإعادة بناء الدولة؟
أم سيستمر زمن الاختطاف حتى يصبح العراق ضحية لـ متلازمة ستوكهولم، فيتعاطف شعبه مع جلاده، ويذوب المختطَف في عباءة خاطفه؟
وأخيراً، أناشد الرئيس ترامب أن يفي برؤيته لـ«شرق أوسط جديد». قد يكون رؤساء الولايات المتحدة السابقون قد أخفقوا في تحرير العراق من قبضة الهيمنة الإيرانية، لكن ترامب نجح في توجيه ضربة حاسمة عندما قضى على اثنين من أخطر الرجال في المنطقة، قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.
وهو قادر على تحقيق ما هو أبعد بكثير مما حققه أيٌّ من أسلافه، إذا ما فرض عقوبات صارمة على «ملك العراق» وشبكته من القضاة والميليشيات ورجال الأعمال والمسؤولين، إضافة إلى ما يقارب 80 نائباً في البرلمان العراقي دخلوا المجلس بطرق غير مشروعة لتمثيل فصائل مسلّحة.
إن التنظيمات الإجرامية المؤسسية المتغلغلة في هياكل الدولة العراقية، تحت غطاء قانوني متعفن وفاسد، لا تفهم إلا لغة القوة والأوامر النافذة. وهذا بالضبط ما يستطيع فعله رئيس قوي، حازم، ومباشر مثل دونالد ترامب.
وفي الوقت الذي ظل فيه القادة الغربيون والعرب أسرى مقاربة قاصرة تركز على السلاح والميليشيات، كانت إيران تُحكم قبضتها على العراق، حتى باتت الدولة ذاتها امتداداً وظيفياً لمكتب المرشد الأعلى والحرس الثوري. لكن إسقاط زيدان وشبكته كفيل بإعادة ضبط ميزان الدولة، وحصر القوة المسلحة بيدها، وإنهاء الدور السياسي للميليشيات، وتجفيف القنوات التي مكّنت طهران من نهب الاقتصاد العراقي.